سادسا: توظيف خلاصات تجاربه في الحياة:
يوظف الغزالي خبراته المتعددة التي اكتسبها خلال رحلة حياته المديرة، في تفسير كتب الله – عز وجل – ويحرص على إبراز هذه الخبرات، بغرض الإبانة عن عظمة الشرائع الإلهية وقصور المناهج البشرية، وكذلك حتى يكشف سوءات الواقع الإسلامي والعلاقات الحالية بين المسلمين التي هي في حقيقتها بعيدة عن تعاليم الإسلام.
من ذلك ما أورده، وهو بصدد تفسير سورة البقرة، حيث تحدث عن نظرة بعض المتدينين إلى المرأة، وكشف عن امتهانهم لها، وحرمانها من حقوقها التي أقرها الله في كتابه لها، حيث يقول: “وقد ظلمت المرأة في بيئات كثيرة، وغريب أن يُردً الحيف عليها إلى تعاليم الإسلام التي أنصفتها.
لقد قال الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة : 228) والآية ظاهرة في تبادل الحقوق والواجبات، وفى تقرير درجة رياسة الرجل، مع إتمام هذا التبادل، لكنني لاحظت في بعض الأوساط الهابطة، أن المرأة عليها وليس لها، وأنها تعامل بامتهان وغلظة، وأنها قد تأكل الفضلات في البيت، وتذهب أطايب الطعام إلى غيرها.
كيف تنسب هذه الجلافة إلى دين من الأديان بله الإسلام؟
وأعرف أن هناك نسوة شريرات يملأن البيوت متاعب، والحل لهذه المشكلات كلها لا يقوم به رجال الشرطة، بل يعتمد على حسن التربية والتزام التقوى، والوقوف عند حدود الله.
إنه لابد من علم واسع وخلق كريم وتربية أصيلة، وأهل لهم، عدل وإنصاف، وأمة قوامة بأمر الله.
وقد رأيت أن أجهزة التبشير ترقب العالم الإسلام بمكر، وتحاول اختراقه من ثغرات تتوهمها أو تجدها، وقد رأت أن أعدادا من المسلمين تهين النساء، وتستكثر عليهن ما آتاهن الشارع الحكيم فسعت إلى تنصير المرأة وإشاعة أن المراد إنقاذها من جور الإسلام. وتوجد الآن جمهرة من المثقفات وقعن في هذا الشَرك، والسبب الأول بعض المتحدثين فى الدين من الجاهلين والتافهين.
كنت في أحد المجالس فقلت: إن حق الخلع للمرأة يكافئ حق الطلاق للرحل، وإذا وجدت امرأة لا تطبق زوجها بغضا لأسباب تبديها أو تخفيها، وعرضت أن تتطيب ما ساق إليها عن مهر، فما المانع أن يجيبها القضاء إلى ما تبقى؟
قال أحد السابقين: للقاضي حق التطليق للضرر. قلت: هذا شيء آخر إنها لم تشك ضررا، وإنما تذكر أنها تكره البقاء مع رجلها لأمر ما، وتريد تعويضه عن كل ما أنفق عليها، فلماذا نبقيها معه؟: هذا لا يجوز، مادام الرجل راغبا عن الطلاق. قلت: بل هو جائز، وللقاضي أن يتصرف بالصلح أو بالخلع.
وعلمت بعد أن الرجل يتهمني بما أنا منه براء، لأنه غير فقيه في الكتاب والسنة، وويل للعالم من الجهال”.
ومن ذلك أيضا ما أورده في تفسير سورة الأنفال، حين تحدث عن القتال الذي يمكن أن ينشب بين المسلمين وغيرهم، وما ينبغي على المسلمين، أن يواجهوا به عدوهم، حتى وإن كانوا أقل بكثير منهم، حيث استشهد في هذا الإطار بمواقف واقعية خبرها واطلع عليها، يقول فى هذا الشأن: والمثير أن فوارق العدد لا وزن لها في هذا القتال، فالقلة تتصدى للكثرة، والواحد يثبت أمام العشرة.
والسبب أن الله ظهير للمؤمن إذا قاتل فهو عندما يضرب تضرب معه قوى الأرض والسماء إنه غطاء لقدرة الله المنتقم من أعدائه بعد ما توقًحوا وتبجَّحوا.
وهذا معنى الآيات: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} (الأنفال ﴿٦٥﴾).
وأنا مع المحققين فى أن هذا هو الحكم الأصلي الثابت الدائم. وأن الثبات أمام اثنين هو عند الضعف الطارئ أو الظروف العارض المخفف.
فإذا زال وجع الحكم إلى أصله وهو تصدي الواحد لعشرة.
وذلك معنى قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: 66).
وفي الحروب العادية استطاعت ثلة من الجنود المشاة أن تمزق فرقة من المدرعات اليهودية وعلمت أن جنديا مصريا أوهم العدو أن معه قنبلة يدوية ورفع ذراعه مستعدا للهجوم فرفع الجنود اليهود أيديهم مسلمين، وقادهم أمامه أسرى.
إن الروح المعنوية للمقاتل الفدائي تجعل الواحد جمعا: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة : 249).
ومن نماذج استفادة الغزالي من خبراته وتجاربه في الحياة في تفسير القرآن، ما أورده عند تفسيره لسورة يوسف، حيث قال بصدد الحديث عن تفسيره -عليه السلام- لرؤيا صاحبيه في السجن: “والرؤى ضرب من الغيوب يتصل بالجانب الروحي من الإنسان، وهي -مع صدقها- ليست دلالة خير ولا شر، إنها دلالة قوة خارقة في الكيان البشري يستشرف بها على ما يُعجز غيره من الناس.
وأعرف رجلا كان في القاهرة، وأراد السفر إلى الريف، رأى قي منامه جنازة قريب له، والمشيعون حولها، وهي تخرج من دارهم متجهة إلى المقابر فى موكب معين.
فلما سافر إلى القرية شاهد الموكب نفسه على النحو الذي رآه لم يختلف منه شيء كانت الرؤيا حقا.
وأعرف من انكشف لهم غيوب على هذا النحو دون سبب ظاهر، ومن ذلك الرؤية عن بعد فقد حكوا عن الفيلسوف الألماني “كانت” أنه رأى حريقا على بعد أكثر من مائة ميل، وروينا نحن قصة عمر بن الخطاب الذي كان يخطب في المدينة، فَسُمِع يقول: يا سارية الجبل وكان سارية” أحد قواده، وقد رأى عمر العدو يخََْْتِل المسلمين من ناحية الجبل، فصاح صيحته. قالوا: وقد سمعها القائد وهو في الجبهة، ونجا بجيشه.
وليست لهذه الأحداث قاعدة مقررة، وإنما ذكرناها لتُلقي ضوءا ما وقع ليوسف، لقد سمع رؤى صاحبيه ثم تحدث عن نفسه : {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)} (يوسف : 37، 38).







