في مشهد مرعب سجلت امرأة لحظة انتحارها قفزا من شرفة شقتها بالطابق الثالث عشر مطلقة صرخة خلعت قلب كل ذي شعور.
لا تعتبر هذه الحالة هي الأولى فقد أفادت منظمة الصحة العالمية بأن مصر تصدرت قائمة البلاد العربية في معدلات الانتحار.
يرجع المتابعون أسباب ظاهرة الانتحار في مصر إلى الأحوال الاقتصادية والاجتماعية المتردية وإلى الفساد الذي طال كل جوانب الحياة تقريبا، لكني أعتبر أن أهم تلك الأسباب وأولها هو خنق روح الحياة الدينية وتغيير لمسارها نحو بروتستانية اسلامية لا تجيب عن استفسارات ولا تغيث ملهوفا.
وسط طوفان المادية العالمي لا يملك البشر سوى سفينة العقيدة ليحتموا بداخلها من جبروت أنظمة اقتصادية لا تتورع عن تمزيقهم وبيعهم كقطع غيار في سوق تجارة الأعضاء، لذلك لابد أن يملك الانسان العادي على الأقل طوفا من ايمان يجدف به بعيدا عن مركز دوامة الطغيان.
يعلل المفكرون مسألة الانتحار بوصول الشخص لمرحلة من الاكتئاب لا يتمكن من تجاوزها لذلك يعتبرونه مريضا فيعفونه من الذنب ويصبون الإثم صبا على رأسي المجتمع والدولة.
لا ينكر أحد أن الاكتئاب مرض ربما لم ينج منه أحد وخاصة منذ بداية الألفية الجديدة، لكنه ليس ابتكارا علميا، فالاكتئاب هو مرادف للحزن الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن»، وقال «أسألك.. أن تجعل القرآن.. جلاء حزني»، وذكره الله في مواطن كثيرة من القرآن فقد قال تعالى «إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا»، وقال «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا».
يعتبر كثيرون الاكتئاب مرضا يذهب العقل ويدفع بالمريض نحو الجنون المؤقت فينتحر وهو لا يشعر، وهذا التوجه في الحقيقة إنما يختلق عذرا لأصحاب مشاريع انتحار جديدة يبحثون عن ذريعة لها ليقدموا على التنفيذ، كما أنه يضيع الحقوق إذا ما قسنا عليه، فمثلا، سيكون القاتل أثناء نوبة غضبه مغيب الإدراك فلا يجوز القصاص منه، ويكون المطلق غير مسيطر على وعيه فلا يقع الطلاق.
إن نظريات علم النفس الغربية فتت الاضطرابات النفسية إلى صدمات وحولت جميع البشر لمرضى، حتى الصحيح منهم لم يفلت وأوجدت له بندا نفسيا تندرج حالته تحته.
لا أرفض الطب النفسي بل أرى ضرورته، لكن المسلمين يحتاجون لعلماء نفس يضعون نظريات على أساس اسلامي، فاستيراد نظريات وضعها علماء تخلصت حضارتهم المادية من كل رابط روحي ومعنوي لن يجلب للنفس المسلمة سوى الخراب الداخلي.
طالما قرأت انتقادات حادة لمن ينصح المكتئبين بالعودة إلى الله حتى يتمكنوا من الخروج من مأزقهم النفسي، وتصل هذه الانتقادات لحد فصل الدين عن العلاج، وعدم قبول فكرة أن تكون العبادة حلا لمرض نفسي، وقد ذهب بعض المتمادين لتصنيف الاكتئاب كمرض عضوي حتى يقطعوا أي صلة يمكن أن توجد بينه وبين ما قد يمنحه الإيمان من راحة.
هل يكون من الصعب تصديق أن الإسلام يحوي بلسما للروح وهو الذي يحمل وصفات لإزالة الآلام الجسدية كما نجد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما شكا إليه عثمان بن أبي العاص الثقفي لما يجده من وجع في جسده فقال له «ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»؟! ولماذا تحترم رياضات كاليوجا وتكذب رياضة الصلاة؟!
إن مشكلة مسلمي اليوم أنهم قد يقرؤون القرآن والسنة لكن لا يأخذونهما على محمل الجد ولا يضعونها موضع اليقين، لا أعارض بالتأكيد العلاج العلمي للمرض، ولكني أرفض أن يهمش المسلم دينا أرسله خالق كل تفاصيله وعالم بما يمرضه ويشفيه، فيعتبره غير ذي فائدة في نفس الوقت الذي يؤمن ايمانا عميقا بجدوى نظريات وضعها بشر مثله.
إن اخراج الدين من علاج المرض النفسي يتبعه بالتأكيد اخراج توابعه من منطقة الاثم والعقاب، وبالتالي يتحول المكتئب إلى انسان منزوع الايمان يرجو الشفاء من البشر لأن رب البشر لا علاقة له بالأمر، قد يطلب من الإله النجاة لكنه لا يرى أن عليه أن يمشي خطوات نحوه ليغيثه.
يعيش الانسان حياته يجمع رصيدا من المال حتى إذا ما وقع في ضائقة يجد منها مخرجا، لكنه لا يفكر في أن يجمع رصيدا من الطاعات تكون له وسادة وثيرة إذا ما سقط من أعلى جبل كآبته.
ان الانسان إذا ما تملكه الحزن ربما لا يستطيع أن بزيد في الطاعات فيقتصر على الصلاة التي ربما يقوم اليها متثاقلا في أحلك أوقاته، وهنا تظهر أهمية الرصيد الذي قد يجعله الله حائط صد يحول دون انتحاره، وقد يربي فكره فيذكره عندما يتوه قلبه فلا يقدم على فعل يعاقب بنار يخلد فيها.
يعد الانتحار هو أقصر طرق الهروب، ولأن المنتحر لا يملك قوة روحية وعزما على تجاوز آلامه فإنه يستسلم ويظن أن الموت هو المخلص وبتركه رسالة ورقية في الماضي أو منشورا الكترونيا على مواقع التواصل في الحاضر فإنه يحاول أن يتخلص من إثم قراره ويلقي باللوم كله على من ظلمه أو ظن أنه طغى عليه.
لا يبرر الإسلام مطلقا اقدام انسان على انهاء حياته، فقد قال الله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}، بل إن الله تعالى شدد الحكم على المنتحر على لسان نبيه فقال: (الذي يخنق نفسه يخنقها في نار جهنم، والذي يطعنها يطعنها في نار جهنم)، وقال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها ابدا، ومن تحسّى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا).
إن الانتحار يعني التصرف في ملك الله بغير أمره، واليأس من رحمته، وتحدي لأقداره، لذلك جاءت العقوبة مناسبة لحجم المعصية، فلذنب أقل من ذلك التقم الحوت يونس، ونزل آدم من الجنة.
يخشى بعض المسلمين من تطبيق العقوبة على جان، واسقاط الحكم الرباني على آثم فيتعللون بأن ما جاءت به آية أو أقره حديث إنما خضع لتفسير خاطئ من قبل العلماء، وللأسف، هذا الأسلوب في رفض الأوامر الإلهية هو ما تسبب في تحريف الرسالات السماوية السابقة.
تجتاح الكوكب حالة من الضلال المطعم بتعاطف مبالغ فيه يجعل المتمسك بقيمة ومبدأ وحشا قاسيا في نظر المجتمع لأنه يضع حدودا واضحة بين الحق والباطل في عالم تحول فيه كل مذنب لمريض نفسي يحتاج علاجا لا عقابا فيضيع في المقابل حق كل مظلوم صامت، فالمنتحر مكتئب مريض يستحق دفاعا بينما من يحمل أطنانا من الكوراث دون أن يصرخ لا يجد من يربت على كتفه، والقاتل مستحق للرحمة لأنه مريض نفسي ظلمته بيئته بينما من يجاهد نفسه حتى لا يرتكب المعصية لا يكون محط اهتمام، والابن العاق هو ضحية أسرة قاسية بينما البار رغم عقوق الأبوين لا يحظى ولو بقليل من الدعم.
قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وهذا يعني أنه من المحال أن يعرض الرحمن انسانا لمصيبة أكبر من امكانياته، لذلك جاءت عقوبة المنتحر عنيفة، فبرغم أن الرحيم قد أخبره أن “مع العسر يسرا” إلا أنه جزع وتعجل الخلاص وبدلا من أن يتق الله ليجعل له مخرجا اختار أن يزهق روحا حذره من المساس بها.
إن الله خلق العقاب ليكون زاجرا لمن ينوي ارتكاب المعاصي، لذلك يجب أن يحمل النهي نفس القوة التي تحملها ألفاظ قرآنه وسنة رسوله، إن إنزال الرحمة بمواضع النهي يفسد مراد الخالق منها، فالمرء حين ينظر لكم التعاطف مع المنتحر قد يجعل فعله أمرا مقبولا في لا وعيه، وعندما تأتيه فترة اختباره-وليس هناك انسان لا يمر بتلك الفترة- فإنه قد يلجأ لهذا الفعل الذي وجد له بين المتعاطفين عذرا.
وفي النهاية، لا يجوز أن تكون شرائع الله مجال مناقشة واستفتاءات على مواقع التواصل، أو أن يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تدخل في خصوصيات الغير طالما أن الفعل محل النصح خرج للعلن ويمس أمن المجتمع وسلامة عقيدته، كما أنه لا يصح أن يكون لفظ النهي واضحا في قرآن وسنة ثم ينسب لمن ذكر به.







