السلامُ عليكَ ورحمة الله وبركاته “أبا سليمانَ”، خالدَ بنَ الوليد، سيفَ اللهِ المسلولَ. طِبتَ حيًا وميتًا. لعلك وجدتَ ما وعدَك ربُّك حقًا، فقد كنتَ فارسًا مغوارًا، ترتادُ ساحاتِ الوغى، فترتجفُ منك قلوبُ أعداء الإسلام وخصومه وكارهيه، حتى وصفكَ رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- بـ “سيفِ اللهِ المسلول”، فصِرتَ عَلمًا فى رأسه نارٌ.
كنتَ –يا أبا سليمان- سيفًا مسلولاً على رقاب المخادعين والماكرين والمنافقين والذين فى قلوبهم مرضٌ، ومَن أرادوا بالإسلام والمسلمين شرًا. ولعلك يا صاحبَ رسول الله، تذكرُ حربَك ضد “مسيلمة الكذاب” وأعوانه ورفاقه وأقرانه عقبَ وفاة النبىِّ الكريم. لقد نجحتَ يومئذ يا “أبا سليمان” فيما سعيتَ إليه وكسرتَ شوكتهم، وطهَّرتَ حِياضَ الإسلام من أدرانِهم وخبائثِهم، ولكن يؤسفنى، أيُّها الفارسُ المغوارُ، أنْ أخبرَك بأنَّ “مُسيلمة الكذَّابَ”، “وعبدَ اللهِ بنَ أُبىِّ بن سلول”، وأعوانَهما من الأشبال والأنجال والأحفاد قد عادوا اليومَ، أكثرَ مكرًا ولؤمًا وفُجرًا ونفاقًا.. نعم.. هم عادوا، يا “خالد” وأنت لم تعدْ، ولن يجودَ الزمنُ بمثلك مجدداً. هم عادوا ويعيثون فى الأرض فسادًا وكذبًا وتضليلاً، وأنت يا “أبا سليمان” لا تزالُ حبيسَ قبرك، وسوف تبقى حتى يقومَ الناسُ لربِّ العالمين، هم لا يريدون عودتك، ولا يبغونَ نظيرًا لك.
لعلك تذكرُ يا “أبا سليمان”، أنه عندما قضى اللهُ أجلك، وأنتَ ابنُ خمسةٍ وخمسين عامًا، وتحديدًا فى الثامنَ عشرَ من شهر رمضانَ المُعظم، من العام الحادى والعشرين من هجرة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- كيف التاعَ الرجالُ والنساءُ؛ حُزنًا على رحيلك الصادم، حتى أنَّ أميرَ المؤمنين الفاروقَ “عُمَرَ بنَ الخطاب” قال قولته المشهورة: “دعْ نساءَ بني مخزوم يبكينَ على أبي سليمان، فإنهن لا يكذبن، فعلى مثل أبي سليمان تبكي البواكي”.
وإنْ لم يبكِ الرجالُ والنساءُ عليك يا “خالدُ”، فعلى مَن يبكونَ، أعلى ضُعفاءَ صِغار النفوس والشِّيَمِ؟َ لعلكَ علمتَ يا “خالدُ” كيف أنَّ ورثة “مُسيلمة الكذاب” و “ابن أبى سلول”، وهم كثرٌ فى زماننا، انتفضوا من أوكارهم ومَخادعهم مُنزعجين غاضبين ثائرين رافضين أنْ يتم إحياء سيرتك الخالدة، وراحوا يغمزونَ ويلمزونَ ويتنافسون في الكذب والافتراء.
لقد أغراهم غيابُك يا “خالد”، ليتجرأوا ويتطاولوا، فقالوا عنك ما قالوا، فمَنْ أمِنَ العقابَ أساءَ الأدبَ، وهم يا “خالد” صنعوا أسماءهم من إساءة الأدب وطول اللسان وترويج الأكاذيب عن الإسلام وأتباعِه الأوائل. لقد بدتْ العداوة والبغضاءُ من أفواههم وأقلامهم يا “أبا سليمان”، وما تُخفى صدورهم أكبرُ وأعظمُ. إنهم يختزلون تاريخك الناصعَ ونضالكَ المشهودَ فى الأرض وفى السماء، فى مواقفَ خلافيةِ استثنائيةٍ، لا تنالُ من سجلك الحافل، وعاتبك الرسول عليها، واستغفرت اللهَ منها، ولعلَّ اللهَ، جلَّ فى عُلاهُ، غفرَ لك، فهو واسعُ الرحمة وواسعُ المغفرة، وكلُّ ابن آدمَ خطاءُ، وخيرُ الخطاءين التوابون. يتجاهلون انتصاراتك “يا خالدُ”، ويعمدونَ بسوء قصد إلى تعظيم أخطاء ربما لم تكن مقصودة، بل من المؤكد أنها لم تكن مقصودة، فقد جرتْ فى ساحاتِ الوغى وميادين القتال. ينهشون فى جسدك وسيرتك ومسيرتك يا “أبا سليمان”، وكأنهم هم المعصومونَ الأبرارُ الأطهارُ الأنقياءُ الأتقياءُ، وكأن أباهم الروحى “مسيلمة الكذاب” كان من المُصطفين، وكأن مُلهمَهم “ابنَ أبى سلول” كانَ من الأخيار!
لقد تجلتْ قدرتك الإستراتيجية يا ” أبا سليمان”-كما سجَّلَ “عباس العقاد” فى تحفته الرائعة “عبقرية خالد”- في حروب الرِّدة وفتح العراق والشام، بعدَ أن كسرتَ جيوشَ دول عُظمى للفرس والروم، بتكتيكاتٍ حربيةٍ سبقتْ عصرَك، وجعلتكَ أحدَ القادة المُميزين الذين لم يُهزموا في أكثرَ من مِائة معركة حربية كبيرة، وهذا الأمرُ يؤلمهم يا “سيفَ الله المسلول” وتضيق به صدورُهم.
إنهم يا “أبا سليمان” لا يريدون أن تكونَ راياتُ الإسلام مرفوعة خفَّاقة، وأن تكونَ جيوشُه عتيَّة قوية تستعصى على الكسر. إنهم يريدون مسلمين منبطحين خاضعين خانعين مقهورين مكسورين. إنهم يكرهون أنْ يسودَ الحقُّ، ويُسعدَهم أنْ يسودَ الباطلُ. وخالدٌ فى سبيـلِ اللهِ مُـوقدُهـا، وخالدٌ فى سبيـلِ اللهِ صـاليها، هكذا وصفك شاعرُ النيل “حافظ إبراهيم”، تعظيماً لجهادك واجتهادك وتضحياتك، فلا ينكر فضلك يا “أبا سليمان”، ولا يغتال سيرتك إلا منافقٌ، فلا تبتئسْ، ولا يُحزنْك قولُهم.. وكما قلتَ لحظة وفاتِك: “فلا نامتْ أعينُ الجبناء”، وخصومُك وكارهوك يا “خالدُ” جُبناءُ، وعند اللهِ تجتمعُ الخصومُ.







