يبقى الموسيقار محمد حسن الشجاعي –الذي حلت ذكراه الثالثة والستون أمس- واحدًا من أهم المؤثرين في تاريخ الإذاعة المصرية؛ بما امتلكه من عقلية جادة وحازمة وصارمة، لا تفضل أنصاف الحلول، ولا تركن إلى الهوى، ولا تميل إليه كل الميل!
احترف “الشجاعي” النقد الموسيقي، وعُرف في الصحافة الفنية بصراحته ونقده اللاذع؛ فاستعانت الإذاعة المصرية بخدماته وخبراته في يوليو في1955 مستشارًا فنيًا للموسيقي والغناء، ثم رئيسًا للجنة الاستماع الغنائي.
يرجع الفضل لـ”الشجاعي” في تكوين أوركسترا الإذاعة، كما قدم العديد من المؤلفات الغربية والعربية، واشترك في تأسيس نقابة المسرح الغنائي المصري في عصره الذهبي؛ إذ أعاد تسجيل أوبريتات لسيد درويش وإبراهيم فوزي وكامل الخلعي وداود حسني وغيرهم.
درَّس “الشجاعي” مادة التذوق الموسيقي في الجامعة الشعبية ومعهد الفنون المسرحية. من أشـهر أعمـاله الموسيقية: أرض الوطن وصلاح الدين وأخناتون ووادي الملوك. كما امتد نشاطه إلى السينما منذ أن كانت صامتة؛ فقد بلغ عدد الأفلام التي وضع لها موسيقاها التصويرية 46 فيلمًا سينمائيًا.
أراد والد “الشجاعي” المعمم أن يكون ابنه من علماء الأزهر، لكنه سلك طريق الموسيقى ليصبح واحدًا من الذين قادوا الحركة الموسيقية في الإذاعة لسنوات طويلة. عُرف بـ “سيدنا رضوان الإذاعة”؛ باعتبار أن الإذاعة هي جنة المؤلفين والملحنين والمطربين.
كان “الشجاعي” يرى أن الإذاعة ليست مؤسسة خيرية لإيواء عجزة الفن أو الأدعياء والمتسلقين بلا موهبة أو قدرة على الخلق الفني، وأنها ليست “تكية” يدخلها كل من هب ودب. كما كان يرى أن الفنان الناجح هو الذي يخلص في عمله مهما واجه من عقبات، وهو الذي يقدم أعمالًا يرضى عنها أولًا. الآن وفي غياب “الشجاعي” وأمثاله أصبحت الإذاعة عزبة وتكية ووسية ومقرًا لأبناء العاملين وأقاربهم وأنسابهم وأصهارهم، ولكم في القراء والمبتهلي عبرة يا أولي الأبصار.
بحكم منصبه بالإذاعة.. لمح “الشجاعي” يومًا قارئًا إذاعيًا غير مهندم في الشارع، فأوقفه 6 أشهر؛ لأنه اعتبره قد أساء إلى صورة قارئ القرآن الكريم. ترى ماذا عساه أن يفعل “الشجاعي” لو ابتعثه الله من جديد، فرأى الفوضى العارمة التي ترافق اعتماد القراء والمبتهلين إذاعيًا، وشاهد أحوالهم في شوادر وسرادقات العزاء، والألوان الزاعقة التي يرتدونها، سواء في محافل المساء والسهرة أو تلاوات البث المباشر من المساجد، فضلاً عن البناطيل الممزقة؟ وهل في الإذاعة حاليًا من هو مثل “الشجاعي”، وكم “شجاعي” تحتاجه الإذاعة؛ لتعود إلى سيرتها الأولى؟!
عندما ارتقى “الشجاعي” إلى الرفيق الأعلي في23 يوليو عام 1963، نعته أم كلثوم بقولها: “كان رجلًا عظيمًا، فرغم حساسية المنصب الذي كان يشغله في الإذاعة، كان لا يميل مع الهوى، ولم تكن له ثغرة تنفذ منها إليه إلا ضميره الفني الذي كان يوجه أعماله، عاش شريفًا فقيرًا إلا من أخلاقه ونزاهته”. الآن الأمر اختلف جذريًا بغياب مثل هذا الرجل الذي كان له من اسمه نصيب عظيم!







