قضيتُ فى مهنة الصحافة حتى كتابة هذه السطور، أكثر من ٣٠ عاما، ما بين صحافة ورقية، وفضائيات، ومواقع إلكترونية، مصرية وعربية ودولية، بعدما تخرجت فى عام 1989م، قابلت، وعشت، وشاهدت العجب العجاب، فهى إحدى المهن التى تمكن محترفها من التعامل مع نوعيات متعددة ومتباينة وغريبة من البشر، ربما لا تتيح ذلك مهن أخرى.
ربما سابقا، كان عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين، يحترمون الضمير المهنى والأخلاقى، وكان ثمة نماذج نتكلم عنها وعن احترامها لنفسها ومهنتها، تبدل الحال الآن، فالقليل هم من يحافظون على ما تبقى من شرف المهنة التى كانت تبحث عن المتاعب، وأصبحت لدى” بعض ليس بقليل” مهنة تبحث عن المصالح والسبوبة.
لن أخوض فى تفاصيل أساليب توجيه الوسيلة الإعلامية للرأى العام، فلا إعلام على الإطلاق بكوكبنا البائس غير موجه، والوسيلة الإعلامية الناجية – إلى حد ما – من ذلك، هى التى تصنع توازنا ما بين المهنية والتبعية، فالحديث في هذا الشأن له تفصيلات أخرى، لكنى هنا أريد أن أوضح فقط، كيف تشترى صحفياً أو مايسمى “إعلامى” من “ضعافى- لامؤاخذة – النفوس”؟
أولا: من الممكن أن تشترى قلماً يكتب لك، أو لمصالحك سواء أفراد، أو شركات، أومصانع، عن طريق نشر كل أخبارك، مقابل راتب شهرى يتقاسم جزء منه مع رؤسائه بالوسيلة، وينسحب هذا الكلام على بعض المؤسسات، سواء العامة أو الخاصة، بهدف تجميل دائم لصورتك.
ثانيا: من الممكن أن تشترى قلماً عن طريق نشر إعلان بوسيلته الإعلامية- دون متابعة إخبارية- أو تدفع له مقابل ان يكتب ضد منافسك.
ثالثا: أو يتجاهل الكلام عنك وعن سوءات استثماراتك، بمقابل مادى شهرى مقابل السكوت.
رابعا: قلم المصالح والبزنس، هو يكتب فى بعض القضايا العامة، ليس للمصلحة العامة ولكن لتحصيل منافع شخصية، للضغط على مسئول لتحقيقها، وينسحب هذا الكلام على استغلال ذلك الصحفى لبرلمانيين، ورجال أعمال، وشخصيات عامة، لتحقيق أقصى استفادة منهم مقابل تلميعهم إعلاميا، ” وتفرق كتير طبعا فى ثقل ووزن الوسيلة الإعلامية، ” كله بثمنه ” كما أنها ” تفرق ” أيضا فى وزن وثقل الشخص نفسه المكتوب عنه.
خامسا: ممكن تشترى قلما يكتب لك أو يتجاهلك بالخوف، وحتى يتجنب ضررك، ويصاحب هذا النوع من الشراء أحيانا، ” تسليك ” مصالح للإعلامى المذكور عن طريق آخرين بنفوذ المشترى واسعة النطاق.
سادسا: هناك من يبيع قلمه تطوعاً مجانا، وعشقاً فى العبودية والتعريض والنفاق، وهذا النوع هو أشدهم خطرا، فمن الممكن أن “يتوب” صاحب القلم المرتشى كما أسلفنا، ويعلم أن المال الحرام مهلكة فى الدنيا والآخرة، ولكن الذى ينافق مجانا غالبا لايكون بحاجة إلى أموال الرشوة، ولكنه ينافق دون مقابل ( تعريض مجانى) كما ( القتل المجانى) الذى شخصه فيلم ( death sentence) للممثل الأمريكى كيفين بيكن.
سابعا: البعض يشترى الوسيلة الإعلامية من بابها، يعنى إعلانات باشتراكات سنوية باهظة الثمن، وتعتبرها الوسيلة مصدرا مهما ورئيسا للتمويل والحماية والإستمرار، فلن تجرؤ الوسيلة التعرض لأى خبر سلبى لذلك البعض، بل غالبا تبرر له مالا تتجاهله لغيره.
أخيرا: شراء بعض المسئولين أو بعض رجال أعمال لقلم أو مجموعة أقلام عن طريق توظيف أصحابها ” على الورق فقط” ما يسمى ب ” مستشار إعلامى ” يكتب له ما يشاء، ويسكت عما يشاء، وعلى الجانب الآخر نجد مستشارين إعلاميين محترمين لجهات محترمة يضعون فعليا ويشاركون الخطة الإعلامية للجهة التى يعملون بها بشكل مهنى ومحترم ولكنهم قليل وربما قليل جدا جدا.
لكن بالطبع، فى كل مجال أشخاص محترمين، وهناك صحفيون كُثر، لا يخافون فى الحق لومة لائم، ويعلمون أنهم واقفين عاجلاً أم آجلاً أمام رب العباد، ليسألهم عن كل حرف كتبوه، ويدفعون فى المقابل ثمنا باهظا، وغالبا باهظا جدا.
ونضع فى الإعتبار الشكل القانونى والمحترم، عندما يتوجه مُعلن ما لوسيلة إعلامية ما بسبب انتشارها بين فئات متنوعة من الشعب، وشهرتها هى التى تغريه للإعلان بها، ونزاهة التعامل معها بعيدا تماما عن علاقته بسياستها التحريرية، هو فقط مُعلن، وهى وسيلة، ويسدد قيمة نشر إعلانه بها.
هذا عزيزى القارئ، كما هو واضح مما فات عن سبل شراء الصحفى أو الإعلامى.، أما إن كنت قد فهمت عنوان المقال أنه ترويج لبضاعة أو سلعة لم تعد تجد من يقدرها فى هذا الوقت البائس إعلاميا، فانتظر معى حتى يدبر الله أمرا كان مفعولا، وتعود للصحافة المحترمة وصاحبة الرسالة النبيلة مكانتها وهيبتها، وتنظف نفسها من الشوائب التى علقت بها وأساءت إليها.


