«الحق أن معاوية لم يكن لعانا ولا بذيئا ولكنه كان يأمر بشتم عليّ بن أبي طالب وآل بيته والانتقاص منهم حتى يهز صورتهم في قلوب الناس، باعتبار كونهم الخطر الأكبر على كرسي الحكم، الذي اعتلاه بعد تنازل “الحسن بن عليّ”، فقد كانت شهوة المُلك هى الأمر الوحيد الذي يسقط عنده حلم معاوية وحميد خصاله، وذلك باعتراف معاوية نفسه، حيث روى الإمام “الطبري” بإسناد صحيح: أغلَظَ رجلٌ لمعاوية فأكثر في القول، فقيل له أتَحلَم عن هذا؟!.. فقال: إني لا أحولُ بين الناس وألسنتهِم ما لم يَحولوا بيننا وبين مُلكِنا!.»..[1]..
هذه الفقرة هى ما توقفنا عنده في نهاية المقال السابق من هذه الدراسة[2]، واصفًا إياها بمربط الفرس وبداية طريق الإجابة على السؤال الذي طرحته في مقدمتها عن تغيير نظام الحكم في الإسلام من الخلافة الشورية إلى المُلك الجبري العضوض، ولماذا اختار “معاوية بن أبي سفيان” توريث الحكم لولده “يزيد” رغم ما فيه من فسق، ورغم ما عُرف عن معاوية من حنكة سياسية وجدارة بالقيادة جعلت الخليفة عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقرّه على إمارة دمشق التي كان يحكمها أخوه “يزيد بن أبي سفيان” -رضى الله عنه- والذي أصيب في الطاعون سنة 18هـ، ولما احتضر استعمل أخاه معاوية على عمله، فوافق عُمر على ذلك احترامًا له، وتنفيذا لتوليته..[3]..
وقد حكم معاوية إمارة دمشق باقتدار مثل غيره من عُمّال عُمر وولاته كعمرو بن العاص على فلسطين ثم مصر وأبي هريرة على البحرين، والمغيرة بن شعبة على الكوفة، وأبي موسى الأشعري على البصرة، وعُمير بن سعد على حمص، وغيرهم في بقية الأمصار.. وبعد استشهاد عُمر سنة 23هـ، وانتخاب عثمان بن عفان للخلافة، صار معاوية واليا على جميع الشام وليس دمشق فقط، وذلك إلى نهاية خلافة عُثمان -رضي الله عنه- الذي قُتل مظلوما سنة 35هـ.
فكان تطاول العهد بإمارة “معاوية” البالغة 17 سنة هو السبب الأساسي فيما تلى من أحداث ومثالب غيّرت وجه التاريخ وانحرفت بنظام الحكم على غير ما جاء به الإسلام، فضلا عن سمات شخصية أبرزها كونه من بيت سيادة وفخر يتطلع إلى الصدارة دائما حيث كان والده سيد قريّش الذي جاء به العباس -رضى الله عنه- إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، قائلا: إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ يُحبُّ الفخرِ، فلو جعلتَ لَهُ شيئًا، فقالَ النبي ﷺ: نعَم مَن دخلَ دارَ أبي سفيانَ فَهوَ آمن!.[4]..
وأمه هند بنت عتبة كانت صاحبة رأي وأنفة، وقد رؤيَ معها معاوية يوما، فقيل لها: إن عاش ساد قومه!
فقالت: ثكلته إن لم يَسُد إلا قومه!.[5]..
وقد أعانه على ذلك أهل الشام الذين اِستمرأوا حكم الأُسر وتوارث المُلك لمئات السنين تحت نِير الاحتلال الروماني، ورغم تبيّنهم في الفتح الإسلامي المُثل العليا ومكارم الأخلاق واحترام الرعية ورفع المظالم المجحفة -وهو ما كان يصب في رصيد معاوية بلا شك- لكنهم لم يخبروا تغيير نظام الحكم ولم يتعرفوا معنى الأمر بالشورى..
فضلا عن أن معاوية كان حريصًا على إبعاد أي معارضة لسياسته في الشام مثلما حدث مع أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- الذي زكّاه النبي ﷺ بقوله: “ما أظلَّتِ الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ من ذي لهجةٍ أصدقَ منه”، في القصة المشهورة في صحيح البخاري من حديث “زيد بن وهب” قال: مَرَرتُ علَى أبِي ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ فَقُلت: ما أنْزلَكَ بهذِه الأرْضِ؟! قال: كُنا بالشَّام فَقَرأْت: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، ولَا يُنْفِقُونَهَا في سَبيلِ اللَّهِ، فَبَشِّرْهُمْ بعَذَابٍ ألِيمٍ}.. قالَ مُعَاوِيَةُ: ما هذِه فِينَا، ما هذِه إلَّا في أهْلِ الكِتَابِ، قُلتُ: إنَّهَا لَفِينَا وفيهم.. فلما ثقل كلام أبي ذرّ على معاوية ومعارضته طلب من الخليفة عثمان إخراجه من الشام كله حتى لا يُفسد عليه حكمه!
وعن ذلك يقول الحافظ “ابن حجر” في الفتح: «والصحيح أن إنكار أبي ذرّ كان على السلاطين الذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وَجهِه حسب شرع الله..»!.[6]..
بناء عليه فإن معاوية رفض مبايعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أو الاعتراف به خليفة على المسلمين حرصا على المُلك، وليس لأي سبب آخر كما سنبين في السطور القادمة، وإن كان لم ينادي بنفسه خليفة في أول الأمر إلا أنه استقل بما تحت يديه من البلاد متذرعا بالمطالبة بالقصاص من قتلة عثمان، وهو ما اغتر به أصحاب مدرسة التشيع السُّني، وجعلوه حجة يعتذرون بها عن منازعته وليّ الأمر وعدم طاعته!
أسطورة المطالبة بدم عثمان وليس الاِسْتِئْثَار بالحكم!
من أكبر الأساطير الرائجة في تراثنا الإسلامي أن معاوية لم يطمع في الحكم ولم ينازع الأمر أهله ولكنه رفض مبايعة الخليفة الشرعي حتى يقتص لعثمان، مستدلين بردّه على أبي مسلم الخولاني عندما ذهب إليه في وفدٍ من الناس يبغي وحدة بلاد المسلمين وجمع كلمتهم -كان ذلك في بداية الأمر قبل وقوع أي قتال- فسأله: أنت تُنازع عليّا أو أنت مثله؟! قال: لا، وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستُم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوما، وأنا ابن عمّه، والطالب بدمه؟!
فأْتُوا عليًّا فقولوا له يدفع إليَّ قتلةَ عثمان، وأُسلم له!
وهى الرواية التي رواها الحافظ الذهبي وغيره بإسناد صحيح[7]، فنثبتها ولا نجادل فيها، إنما هذا هو القول وما أيسره.. ولكن هل صدّقه العمل أم ثبت عكسه تمامًا؟!
فقد روى البخاري في صحيحه عن “عبد الله بن عُمر” -رضي الله عنهما- قال: خَطَبَ مُعَاوِيَةُ فقَالَ: مَن كانَ يُرِيدُ أنْ يَتَكَلَّمَ في هذا الأمْر، فَلْيُطلِع لَنَا قَرْنَهُ؛ فَلَنَحْنُ أحَقُّ به منه ومِنْ أبِيهِ!
وفي الحديث تعريض صريح بأبناء الصحابة حيث يرى نفسه أحق منهم ومن آباءهم بالحكم، وعن ذلك يقول “ابن عُمر”: «هَمَمْتُ أنْ أقُول: أحَقُّ بهذا الأمْرِ مِنْكَ مَن قَاتَلَكَ وأَبَاكَ علَى الإسلَام، فَخَشِيتُ أنْ أقُولَ كلِمةً تُفَرِّقُ بيْنَ الجَمعِ، وتَسْفِكُ الدَّم..»!.[8]..
وكان هذا يوم “دومة الجندل” بعد انقضاء التحكيم الذي انعقد نتيجة استعار القتل في موقعة صفّين في صفر سنة 37هـ، حيث قُتل العشرات من أصحاب رسول الله ﷺ فضلا عن الآلاف من الشاميين (جُند معاوية) والعراقيين (جُند الإمام عليّ)، وبلغ مجموعهم في رواية العلّامة “ابن القيّم” أكثر من سبعين ألف[9]..
ورغم ما يبدو في الرقم من مبالغة إلا أن جُلّ مصادر التراث ذكرته حتى أن التابعي الكبير الإمام محمد بن سيرين قال: بلغ عدد القتلى يوم صفين 70 ألفا فما قدروا على عدّهم إلا بالقصب، وضعوا على كل إنسان قصبة، ثم عدوا القصب!.[10]
وهذا ما يجب تدبره جيدا حيث كان حدثا فاصلا مروّعا ما واجه الصحابة مثله قط منذ دخلوا الإسلام، وهو الدافع الأساسي في إحجام عبد الله بن عمر عن الردّ على معاوية، خشية تكراره!
ومن الأهمية بمكان في هذا الشأن، ذكر فحوى الرسالة التي كتبها معاوية بخط يده إلى أبي موسى الأشعري حيث كان الحكم من جانب عليّ في جلسة التحكيم عقب نازلة “صفين” والتي أخرجها الإمام “ابن سعد” بإسناد صحيح: «قال أبو موسى الأشعري -رضى الله عنه- كتب إليَّ معاويةُ: سلام عليك، أمّا بعد.. فإنّ عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد، وأُقسِمُ بالله لئن بايعتني على ما بايعني عليه، لأستعملن ابنيك أحدهما على البصرة والآخر على الكوفة، ولا يُغلق دونك باب.. وإني كتبتُ إليك بخطّ يدي، فاكتُب إليّ بخطّ يدك!
فكتب إليه: أمّا بعد.. فإنك كتبت إليّ في جسيم أمر أمة محمد ﷺ، لا حاجة لي فيما عرضْتَ علَيّ»!
وقد ذكرها أيضا الحافظ الذهبي وزاد في رد أبي موسى: «فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه؟»!.[11]..
وقد بايع الشاميون “معاوية” بالخلافة في ذي القعدة من نفس العام 37هـ..[12].. ولم يكونوا في حاجة إلى ذلك فقد كان بالنسبة لهم هو ولي الأمر منذ البداية!
وظل الأمر على ذلك حتى قُتِل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فبايع الناس (ما خلا أهل الشام) بإرادتهم الحرة “الحسن بن عليّ” لعظيم صفاته ومكانته وفضله. -لم يورثه أبوه ولم يدعو لذلك- وقام الحسن -ولنفس أسباب عبد الله بن عُمر- بالتنازل لمعاوية عن الخلافة خوفًا من نشوب الحرب الأهلية تارة أخرى بين المسلمين كما حدث في صفّين، أو كما قال الإمام الجويني: «من أجل تسكين الفتنة الثائرة بايع “الحسن” “معاوية”، لمّا رآه مستقلا، وعلم ما في مدافعته من فنون الفتن وضروب المحن»! [13]..
فقد كان معاوية متمسكا بالحكم إلى أقصى حد، حتى أنه كان يفقد من أجله حلمه الكبير الذي اشتهر به لدرجة أن الإمام “أحمد بن حنبل” وصفه بالسيّد الحليم، وقال: كان معاوية كريمًا حليمًا! [14]..
ويكفينا في ذلك قول معاوية نفسه: «إني لا أحولُ بين الناس وألسنتهِم ما لم يَحولوا بيننا وبين مُلكِنا»!
وقد كان معاوية صادقا تماما في ذلك فإنه حليمٌ ومتسامح مع كل أمر إلا أن يرى فيه تهديدا لمُلكه! ولذلك أمَر سنة 51هـ بقتل “حُجر بن عدي” -رضى الله عنه- وكان من فضلاء الناس ومن قادة سيدنا “عليّ” في صفين والنهروان، بسبب عصيانه لوالي العراق زياد ابن سُمية الذي ولاه معاوية لكنه أظهر الغلظة وسوء السيرة.. مع العلم أن حُجرًا لم يخلع معاوية بل لمّا جاءه مكبلا بالحديد هو وأصحابه خاطبه قائلا: السلام عليكم يا أمير المؤمنين!
فقال معاوية: أوَ أمير المؤمنين أنا؟ اضربوا عُنُقه!
فبلغ ذلك أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فأرسلت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية، قائلة: الله الله في حُجرٍ وأصحابه!
ولما ذهب عبد الرحمن، وجد حُجرًا قد قُتل هو وخمسة من أصحابه، فقال لمعاوية: أين ذهب عنك حلمك؟! ألا حبستهم في السجون؟
أما والله لا تَعُدُّ لك العرب حلما بعدها أبدا ولا رأيا!
وقد رَوَى الإمام أحمد بإسناد صحيح أن “عبد الله بن عُمر” لما نُعي إليه حُجر، ألقى ما كان يشتريه في السوق، وقام قد غلب عليه النحيب!.[15]..
أما موضوع القصاص من قتلة عُثمان فقد أغنى عن الإطناب فيه قول “ابن تيمية” في الرد على من يطعن في أمير المؤمنين عليّ ويتهمه بالتقصير في الثأر لعثمان: لم يكن عليّ مع تَفرّق الناس عليه متمكنا من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرا وبلاء، ودفع أفسد الفاسديْن بالتزام أدناهما أولى من العكس لأنهم كانوا عسكرا وكان لهم قبائل تغضب لهم!
ويضيف “شيخ الإسلام”: ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت عليّ وصار أميرا على جميع المسلمين ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان! بل لما قدم المدينة حاجًّا وسمع ابنة عثمان تندب أباها، قال لها: يا ابنة عم، إن الناس قد بذلوا لنا الطاعة على كره وبذلنا لهم حلما على غيظ.. فإن رددنا حلمنا ردوا طاعتهم.. ولأن تكوني بنت أمير المؤمنين خير من أن تكوني واحدة من عرض الناس.. فلا أسمعنّك بعد اليوم ذكرت عثمان!
مع أنه لو قَتل قتلة عثمان لم يقع من الفتنة أكثر مما وقع ليالي صفّين، إلا أنه خاف تفريق الكلمة وضعف سلطانه»! [16]..
مما سبق.. يتضح بجلاء أن حب المُلك والمصلحة السياسية الشخصية كانت الدافع الأساسي من وراء قرارات معاوية، وهذا لا يتعارض مع كونه سياسيا محنكا وحاكما قديرا يُعظم الجهاد ولولا شهوة الحكم لصار من الراشدين وأعظم خُلفاء المسلمين..
وهى شهوة عظيمة ربما تكون أكبر المغريات على الإنسان وإلا لما اختارها الشيطان لإغواء آدم -عليه السلام- كما أخبرنا الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ، قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ [سورة طه الآية 120]..
من أجل ذلك حذّر اللهُ تعالى مَن يأتيه المُلك مِن اتباع الشهوات والأهواء، في كتابه العزيز: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾..
وقد ذكر شيخ الإسلام “ابن تيمية” في “السياسة الشرعية” وفي فصل بعنوان لا غنى لولي الأمر عن المشاورة: «مَن نجا مِن فتنة أهل البدع، وفتنة ذي السلطان.. فقد نجا..»!.[17]..
وللأسف لم ينجُ معاوية وحَمَل الأمةَ على مبايعة ولده يزيد، على الرغم من وفود المعارضة التي راجعته، مثلما فعل “عمرو بن حزم الأنصاري” -رضي الله عنه- حيث ذهب في وفد إلى معاوية، وقال مُحذّرا ومُنبها: أُذكّرك الله في أمة محمد بمن تستخلف عليها!
فقال معاوية: نصحت وقلت برأيك، وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق!.[18]..
وإنها والله لسوءة إذا كان ولده صالحا جديرا بالأمر أن يوليه دون مشورة، فما بالكم بمثل يزيد الذي أحسن ما قيل فيه قول الحافظ الذهبي: «كان قويًّا شجاعا ذا رأي وحزم وفطنة وفصاحة.. وكان ناصبيًّا (يبغض آل بيت النبي ﷺ) فظًّا غليظًا جِلفا يتناول المسكر ويفعل المنكر!.[19].
وقد حاول البعض الاعتذار والتأويل -كالعادة- بأن معاوية اجتهد في الأمر من أجل درء أسباب الفتنة وسعيا للاستقرار وهو مأجور سواء أصاب أم أخطأ لقول النبي ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران».. أقول ربما كان هذا صحيحا لو وقع الاختيار بين بقية الصحابة وسادات التابعين كما فعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.. وإن من أبلغ ما قرأت في شرح هذا الحديث قول شيخ الإسلام: «ومن الاجتهاد أن يكون وليّ الأمر مخيّرا بين أمرين فأكثر، تخيير تحرٍّ للأصلح لا تخيير شهوة»!.[20]..
ورغم كثرة الدفاعات عن معاوية في هذا الشأن لم أجد كلمة واحدة تبرر توليته عبيد الله بن زياد سنة 55هـ أميرا على العراق خلفا لأبيه زياد بن سُمية -الذي اسْتَلْحَقَه معاوية وقال هو زياد بن أبي سفيان!.- وقد كان “عُبيد الله” هذا غلاما سفيها عمره 22 سنة، وهو الذي قاد موقعة قتل الحسين بن عليّ -رضي الله عنهما- في بداية عهد يزيد مطلع سنة 61هـ، وقد ثبتت سفاهته منذ بداية عهده عندما دخل عليه الصحابي الجليل عائذ بن عمرو المُزني، ناصحا: «أي بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن شر الرعاء الحطمة (أي إن أمراء السوء هم الذين يسوسون رعيتهم بالقهر والظلم والجبروت) فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب مُحمد.. فقال عائذ: وهل كانت لهم نخالة إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم!.[21]..
فوالله إن تولية هذا اللعين وأمثاله من السفهاء والغلمان الذين حكموا الأمة، هو ما كان يتعوذ منه أبو هريرة قائلا: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان.. وعن ذلك قال الحافظ “ابن حجر”: مات أبو هريرة -رضي الله عنه- قبل خلافة يزيد بن معاوية سنة 60هـ بعام واحد!.[22]..
وقد كان من سوء منقلب السفيه “عُبيد الله بن زياد” أنه عندما قُتل يوم عاشوراء سنة 67هـ، قُطعت رأسه وأُرسلت إلى مكة حيث أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما، فلما كُشف عنها وجد القوم حيّة تأكل من رأسه!.[23]..
في النهاية يجب التأكيد على أنني هنا لا أحاكم معاوية لأدينه، ولكن لإقامة الحجة على أنصار مدرسة التبرير التي رسّخت للخضوع والاستبداد وشرعنة إلغاء الشورى وتوريث الحكم حين قالت لقد اجتهد معاوية وله أجر المجتهد، فنقول لهم إن توريث الحكم جريمة كما وصفها الخليفة العظيم “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه بقوله: من وَلِيَ من أمر المسلمين شيئًا فولّى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين!.[24]..
وقد قال رسول الله ﷺ: «لتنقضن عُرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة»!
وإن أول مسمار في نقض الحكم في الإسلام هو قتل الشورى واتباع سياسة التوريث، سواء فعلها معاوية بن أبي سفيان أو فعلها حافظ الأسد والملك سلمان!
فإن التوريث ووأد الشورى هو ما يجب إدانته ورفضه حيث ثبتت خطورته وبواره قديما وحديثا، حيث جاء بأمثال السفاح بشار الأسد في سوريا وحلفاء الصـهاينة في ممالك الأردن والمغرب والسعودية، كما جاء من قبل بأمثال الفاسق يزيد بن معاوية والمفلس من دينه الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي كان المسمار الأخير في نعش الدولة الإسلامية العظيمة في قرنها الأول..
وهى الدولة التي نتجت عن قوة الدفع الهائلة الجبارة للدين الإسلامي الحنيف، ودعوة أعظم عظماء البشرية النبي محمد ﷺ، وكفاءة صحابته الكرام رضي الله عنهم، الذين استحقوا عن جدارة لقب خير القرون حيث حملوا الأمة بأكملها على مركبٍ أنشأها أبو بكر وعُمر وعُثمان!..
وللحديث بقية بإذن الله تعالى..
كتبه الفقير إلى عفو الله/ أحمد الشريف..
8سبتمبر سنة 2022م / 12صفر سنة 1444هـ.
#معركة_الوعي_أم_المعارك ..
هوامش المقال:
[1] صحيح تاريخ الطبري، جـ4صـ40، تحقيق وتخريج محمد بن طاهر البرزنجي، ط. دار ابن كثير، بيروت سنة 1428هـ.
[2] رابط المقالات السابقة من هذه الدراسة في التعليق الأول..
[3] سير أعلام النبلاء، الحافظ الذهبي، جـ1صـ330، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت سنة 1402هـ/1982م.
[4] صحيح أبي داود، رقم الحديث 3021..
[5] الأعلام، خير الدين الزركلي، جـ8صـ98، دار العلم، بيروت الطابعة الخامسة عشرة، مايو/أيار 2002م..
[6] فتح الباري شرح صحيح البخاري، الحافظ ابن حجر العسقلاني، جـ5 صـ33 حديث رقم 1406، إشراف على التحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، طبعة الرسالة سنة 1434هـ..
[6] سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، جـ3صـ140
[7] الحديث في صحيح البخاري رقم 4108، وشرحه ابن حجر في فتح الباري، مصدر سابق، جـ12صـ260 وما بعدها..
[9] الصواعق المرسلة على الجهمية والمُعطلة، الإمام ابن قيّم الجوزية، جـ1 صـ377، تحقيق د/علي بن محمد الدخيل الله، ط. دار العاصمة، الرياض 1406هـ.
[10] مصنف ابن أبي شيبة، جـ13صـ437، حديث رقم 38874، من حديث محمد بن الحسن الشيباني عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن محمد بن سيرين وكلهم أئمة ثقات!
[11] الطبقات الكبير، محمد بن سعد، جـ4صـ105، تحقيق الدكتور علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، طبعة القاهرة سنة 1421هـ/2001م. وأيضا سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، جـ2صـ396.
[12] تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري، صـ192، طبعة دار طيبة الرياض سنة 1405هـ..
[13] غياث الأمم في التياث الظُّلَم، إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، صـ238، تحقيق د/مصطفى حلمي، ود/فؤاد عبد المنعم، طبعة دار الدعوة الإسكندرية سنة 1400هـ.
[14] منهاج السنة النبوية، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د/ محمد رشاد سالم، جـ4صـ445، طبعة الرياض سنة 1406هـ/1986م.
[15] سير أعلام النبلاء، الحافظ الذهبي، جـ3 صـ466، تحقيق شعيب الأرنؤوط، طبعة مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1402هـ/1982م. والاستيعاب في أسماء الأصحاب، الإمام العلامة ابن عبد البر الأندلسي جـ1 صـ198، دار الفكر بيروت سنة 1427ه/2006م
[16] منهاج السنة النبوية، مصدر سابق، جـ4 صـ407 وما بعدها..
[17] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ابن تيمية، صـ228، تحقيق علي بن محمد العمران، ط. دار عالم الفوائد جدة
[18] تاريخ الإسلام، الحافظ الذهبي، جـ5 صـ272، تحقيق د/عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، طبعة 1410هـ، وتاريخ الخلفاء، الحافظ السيوطي، صـ164، وانظر الدولة الأموية، د. علي الصلابي، جـ1صـ425، قال رجاله رجال الصحيح في الإصابة لابن حجر..
[19] سير أعلام النبلاء، الحافظ الذهبي، جـ4 صـ37، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومأمون الصاغرجي، مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1982م.
[20] منهاج السنة النبوية، شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، جـ4 صـ422، تحقيق د/ محمد رشاد سالم، طبعة جامعة محمد بن سعود الإسلامية، سنة 1406هـ/1986م.
[21] رواه الإمام مسلم حديث رقم 1830، وأخرجه الإمام أحمد..
[22] فتح الباري، مصدر سابق، جـ١صـ454
[23] سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، جـ٣صـ546، صـ549، وحديث الحيّة أخرجه الإمام الترمذي (3780) وقال حسن صحيح، وصححه الحافظ الذهبي أيضا..
[24] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ابن تيمية، صـ8، تحقيق علي بن محمد العمران، ط. دار عالم الفوائد جدة..







