بين الصفح والضعف خيطٌ دقيق، لا يدركه إلا أصحاب النفوس الكبيرة؛
فالعفو لا يعني الهوان، ولا الصفحُ ضعفًا في الموقف، إنما هو سموٌّ في الخُلق، وارتفاعٌ عن دناءة الانتقام، ومن مراتب الإحسان: العفوُ عند المقدرة.
وبين التواضع والمهانة حدٌّ واضح، لا يتجاوزه إلا من فقد إدراكه لقيمة نفسه.
فالمؤمنُ متواضعٌ لله، كريمُ العِشرة، عزيزُ النفس، لا يُذِلّها لمخلوق، ولا يطأطئ رأسَه إلا لخالقه، فهو عزيزٌ كريمٌ بين الناس، ذليلٌ مكسورٌ بين يدي الله.
وبين الثقة بالنفس والغرور مسافةٌ قصيرة، من تجاوزها سقط من علوّها؛
فالثقة تُبنى على وعيٍ بالنقص، والغرورُ على جهلٍ بالكمال،
وكم من أناسٍ غرقوا في بحر أنفسهم، ظنًّا أنهم يُبحرون!
وبين الصمت والحكمة علاقةُ وزنٍ وتقدير؛
فليس كلُّ ساكتٍ حكيمًا، ولا كلُّ ناطقٍ جاهلًا، وإنما الحكمةُ أن تعرف متى تتكلّم، ومتى يجب أن تصمت، ومتى تُحكِمُ القول، ومتى تُمسِكُ اللسان.
فالحكمةُ كاللِّجام للفرس، تُمسك بها لسانك كما يُمسك اللِّجامُ حَنَكَيِ الفرس.
وما أجمل أن يعيش المرءُ متوازنًا بين هذه القيم؛
فمن ضبط حدودَها استقام في نفسِه، وارتقى في خُلقِه، وسمت به الحياةُ نحو النور.
وأمّا من أطلقها بلا ضابط، فَرَّت به في أعماق الرذيلة، ومستنقعات الفساد، حتى تلوثت روحُه، وأصبحت خَبَثًا.


