بين الشجاعة والتهوّر خيطٌ رفيع، لا يراه إلا من أبصر ببصيرة الحكمة ووزنها بميزان الشهامة والبطولة.
فالشجاعةُ موقفٌ تُوزن فيه النتائجُ بميزان العقل والإيمان،
أما التهوّرُ فهو اندفاعُ الجاهلِ قبل أن يُدرك عاقبةَ خُطاه،
وهو حدٌّ فاصلٌ بين الشجاعةِ والحماقة!
وبين الكرم والإسراف وادٍ سحيق، لا يتجاوزه إلا من غاب عنه العدلُ في العطاء، واندفع نحو شهوات النفس في الرياء وحبِّ الظهور. فالكرمُ خُلُقُ الكرماءِ الذين يُعطون بحكمةٍ وميزانٍ دقيق
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}
أما الإسرافُ فمفسدةٌ تُهلك المالَ وتُضعِفُ النفسَ وتُفقِدُ العطاءَ معناه، وربما يتحوّل إلى داءٍ نفسيٍّ يَستنزفُ صاحبه حتى يهلكَه.
وبين الغيرةِ والشكّ مسافةٌ لا يقطعها إلا قلبٌ مريض؛
فالغيرةُ دليلُ الحبِّ والوفاء، وتاجُها الثقةُ والتوقير،
والشكُّ سُمٌّ قاتلٌ للثقةِ والمودّة.
ومن زادَ في غيرته أفسدَ، ومن تساهلَ فيها ضيّع؛
فالقيمةُ في التوازن، لا في الإفراطِ ولا في التفريط.
وبين الحزمِ والظلم تمايزٌ دقيق؛
فالحزمُ انضباطٌ في الحقّ، والظلمُ تمادٍ وطغيان.
{مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}
أما الطغيانُ والظلمُ فهما انحرافُ القوةِ عن مسارها، وهو نهجُ الطغاةِ والجبابرة:
{سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}
فمن غلبت عليه القسوةُ وطغى، صار ظالمًا وإن ظنّ نفسه على هُدى.
ومن جمع هذه القيم وضبط حدودها، سكن قلبُه واطمأنّ عقلُه،
فالحياةُ لا تستقيمُ إلا بميزانٍ من الوعي، يُفرّقُ بين الحقائقِ المتشابهة، ويُبصرُ الخيطَ الدقيقَ بين الفضيلةِ


