حديثُنا في سلسلة تأملاتٍ في حُسن القيم وما يقابلها من ردائف، إنما هو لتبيين الحدِّ الفاصل بينهما؛ ذلك الحدُّ الذي إذا تجاوزناه، انتقلنا من القيمِ الفضيلة إلى الصفاتِ الرذيلة!
فإذا عرفناه، وجب علينا أن نلزمه، وألّا نفرِّط فيه.
فمثلًا: بين الإخلاص والرياء شعرةٌ خفيّة، لا يراها إلا من أشرقت بصيرتُه بنور الإيمان.
فالإخلاصُ عملُ القلبِ الخالصِ لله، لا يبتغي به صاحبُه جزاءً ولا مدحًا،
أمّا الرياءُ فداءٌ يُفسدُ العملَ فيُبقي الجسدَ متحرّكًا بروحٍ ميتة.
قال أحدُ السلف: «ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من نيّتي»؛
فالإخلاصُ مقامٌ لا يُنالُ إلا بمجاهدةٍ دائمةٍ للنفس، ومراقبةٍ صادقةٍ لله.
وبين الشهرة والقبول مسافةٌ فارقةٌ ذاتُ معانٍ متباينة؛
فكم من مشهورٍ في الأرض مجهولٍ في السماء،
وكم من خفيٍّ عن الناس مذكورٍ عند الله وملائكته!
فالقبولُ عطيةٌ ربانيةٌ لا تُنالُ بتزيين الوجوه، بل بتزكية القلوب.
والقبولُ في الأرض أثرٌ من آثار محبّةِ الله لعبده؛
ففي الحديث:
«إنَّ اللَّهَ إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال: إنِّي أُحبُّ فلانًا فأحبِبْه، فيحبُّه جبريلُ، ثم يُنادِي في السماءِ: إنَّ اللَّهَ يُحبُّ فلانًا فأحبُّوه، فيُحبُّه أهلُ السماءِ، ثم يُوضَعُ له القبولُ في الأرض» (متفق عليه).
وأمّا الشهرةُ المصحوبةُ بالفساد، فدليلُ سخطِ الله على صاحبها،
كما قال تعالى عن قارون:
{فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
وبين العزلة والعجز فرقٌ بيّن؛
فالعزلةُ زهدُ الحكماء الذين يخافون على دينهم،
والعجزُ هروبُ الضعفاء الذين خافوا مواجهةَ الحياة.
الأولى سكونٌ للروح، والثانية خمولٌ للهمّة،
ومن فرّق بينهما نجا بنفسه، وحفظ قلبه.
وبين السكوت والجبن حدودٌ لا يدركها إلا أصحابُ المروءة؛
فالسكوتُ حكمةٌ عند اللزوم، والجبنُ خذلانٌ عند الموقف.
الأولُ يرفعُ قدرَ صاحبه، والثاني يُسقِطُه من عين الله، ثم يُذهِبُ الله بهيبتِه من قلوب الناس.
وما أجمل أن يعيش المرءُ قلبًا صادقًا بين هذه القيم؛
يعرف موضع الإخلاص من الرياء، وحدَّ الشهرة من القبول،
ويزن العزلة بميزان الحكمة، والسكوتَ بميزان الشجاعة،
فمن أقام هذه الموازين استقام قلبُه، وسمت نفسُه، واطمأنّت روحه.


