أثارت تقارير أمنية وإعلامية أوروبية تساؤلات متزايدة حول تنامي استخدام حملات التضليل الرقمي في التأثير على الرأي العام، بعد الكشف عن أنشطة منسوبة لشركة إسرائيلية متخصصة في إدارة الحملات الإلكترونية، يقال إنها شاركت في عمليات استهدفت انتخابات واستحقاقات سياسية في عدة دول.
وتستند هذه التساؤلات إلى نتائج تحقيقات أجرتها وكالة الأمن السيبراني الفرنسية «فيجينوم» (VIGINUM)، والتي أشارت إلى رصد حملة رقمية منسقة استهدفت شخصيات ومرشحين مرتبطين بحزب «فرنسا غير الخاضعة» خلال الانتخابات المحلية الأخيرة. ووفقًا لما أعلنته الوكالة، اعتمدت الحملة على إنشاء حسابات وهمية، وإنتاج محتوى مضلل، ومحاكاة مواقع إخبارية، إضافة إلى تضخيم منشورات محددة بهدف التأثير في اتجاهات الرأي العام.
وتشير التحقيقات إلى أن هذه الأساليب تعتمد على تقنيات أصبحت شائعة في حروب المعلومات الحديثة، ومنها استخدام آلاف الحسابات المزيفة، وإعادة نشر الرسائل بصورة مكثفة، وإثارة الجدل عبر محتوى عاطفي يهدف إلى تعميق الانقسام داخل المجتمعات.
وفي هذا السياق، يطرح عدد من الباحثين فرضية انتقال هذه الأساليب إلى الفضاء العربي، خاصة خلال الأحداث الرياضية الكبرى التي تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة، حيث تتحول المنافسة الرياضية أحيانًا إلى ساحة للنقاشات الحادة على منصات التواصل الاجتماعي.
ويرى مراقبون أن البطولات الدولية، وفي مقدمتها كأس العالم، تمثل بيئة خصبة لانتشار حملات التضليل بسبب التفاعل الجماهيري الكبير، وهو ما قد يسمح لحسابات مزيفة أو شبكات منسقة باستغلال الحماس الرياضي لإثارة الخلافات بين الجماهير العربية من خلال نشر رسائل تحريضية أو معلومات مضللة.
وتعتمد مثل هذه الحملات – بحسب خبراء الأمن السيبراني – على تضخيم الخلافات القائمة أصلًا، وليس صناعتها من العدم، وذلك عبر إعادة نشر المحتوى الاستفزازي بكثافة، وإظهاره وكأنه يعكس رأيًا عامًا واسع الانتشار، رغم أنه قد يكون صادراً عن عدد محدود من الحسابات الآلية أو الوهمية.
كما تحاول هذه الشبكات استغلال القضايا السياسية والرمزية المرتبطة ببعض المنتخبات أو الشخصيات الرياضية، لإعادة توجيه النقاش بعيدًا عن المنافسة الرياضية نحو قضايا خلافية، بما يؤدي إلى زيادة الاستقطاب والانقسام بين المستخدمين.
وفي المقابل، يؤكد مختصون أن مواجهة هذه الحملات لا تكون بالانجرار وراء المحتوى المثير للجدل، وإنما بالتحقق من مصادر المعلومات، وعدم إعادة نشر الأخبار أو التعليقات مجهولة المصدر، مع الاعتماد على وسائل الإعلام الموثوقة والبيانات الرسمية.
ورغم الجدل المتصاعد حول هذه الاتهامات، فإن تقييم أي نشاط منسوب إلى جهات أو شركات بعينها يظل مرتبطًا بما تثبته التحقيقات الرسمية والأدلة التقنية المنشورة، بينما تبقى اليقظة الرقمية والوعي الإعلامي من أهم أدوات الحد من تأثير حملات التضليل، أياً كان مصدرها.







