تشهد الهند موجة احتجاجات طلابية متصاعدة تعد من أكبر التحركات الشعبية التي واجهتها حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي خلال السنوات الأخيرة، بعدما خرج آلاف الطلاب في العاصمة نيودلهي وعدد من الولايات للمطالبة بإصلاح منظومة الامتحانات ومحاسبة المسؤولين عن تسريب الاختبارات، وسط اتهامات باستخدام القوة المفرطة ضد المحتجين، في وقت يرى فيه خبراء أن الأزمة تجاوزت قضية التعليم لتتحول إلى تعبير واسع عن الغضب المتراكم بين الشباب بسبب البطالة وتراجع الفرص الاقتصادية.
بدأت الاحتجاجات مطلع يونيو بعد الكشف عن مخالفات وتسريبات في امتحان القبول الطبي “NEET”، وهو أحد أهم الاختبارات الوطنية في الهند، ما دفع آلاف الطلاب إلى المطالبة باستقالة وزير التعليم دارمندرا برادان وإجراء تحقيق مستقل في إدارة الامتحانات. وسرعان ما توسعت المظاهرات لتشمل جامعات ومدناً رئيسية مثل مومباي وبنغالورو ولكناو وباتنا وشانديغار، مع انضمام طلاب وخريجين وعائلاتهم إلى الحركة الاحتجاجية.
وزاد من زخم الاحتجاجات انضمام الناشط والمعلم المعروف من إقليم لاداخ، سونام وانغتشوك، الذي أعلن إضراباً مفتوحاً عن الطعام دعماً لمطالب الطلاب، في خطوة اعتبرها كثيرون رمزاً لتوسع الحركة خارج الإطار الجامعي وتحولها إلى قضية رأي عام.
اشتباكات مع الشرطة
وشهدت نيودلهي مواجهات بعدما حاول المتظاهرون الوصول إلى البرلمان الهندي، حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريق الحشود، ما أدى إلى إصابة عدد من المحتجين. وأثارت المشاهد انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وأحزاب المعارضة التي اتهمت السلطات بالتعامل الأمني بدلاً من فتح حوار مع الطلاب.
وأكدت الطالبة المحتجة لافانيا سينغ في تصريحات لوسائل الإعلام أن أزمة تسريب الامتحانات “ليست حادثاً منفرداً، بل نتيجة فشل متكرر في حماية مستقبل ملايين الطلاب”، مشيرة إلى أن مشاعر الغضب والإحباط دفعت الشباب إلى النزول بأعداد غير مسبوقة إلى الشوارع.
خبراء: الأزمة تتجاوز التعليم
يرى أتمان تريفيدي، الشريك في مجموعة DGA-Albright Stonebridge Group بواشنطن، أن الاحتجاجات الحالية قد تتحول إلى أكبر تحدٍ شعبي يواجه حكومة مودي منذ احتجاجات المزارعين بين عامي 2020 و2021.
وأوضح تريفيدي أن الحركة بدأت كمبادرة ساخرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها تحولت تدريجياً إلى تنظيم احتجاجي حقيقي يمتلك قاعدة شعبية واسعة، مضيفاً أن استمرار الحكومة في تجاهل المطالب قد يؤدي إلى توسيع نطاق المشاركة، خاصة مع انضمام منظمات المجتمع المدني والمزارعين وبعض الأحزاب الإقليمية.
ويعتقد أن الأزمة تعكس فجوة متزايدة بين تطلعات الشباب والسياسات الحكومية، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين وتزايد الشكاوى من ضعف فرص العمل.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
بدأت حركة “كوكروش جانتا” (CJP) في مايو على يد خبير استراتيجيات الاتصال السياسي أبهيجيت ديبكي، بعد تصريحات مثيرة للجدل نُسبت إلى رئيس القضاة في الهند بشأن الشباب العاطلين عن العمل، لتتحول خلال فترة قصيرة إلى واحدة من أكثر الحملات انتشاراً على منصات التواصل الاجتماعي.
وقال ديبكي إن الحركة نجحت في جذب ملايين المتابعين قبل إغلاق حساباتها الرئيسية، معتبراً أن ذلك يعكس محاولة للحد من انتشار رسائلها، بينما يرى مراقبون أن الاعتماد على المنصات الرقمية ساعد في تنظيم الاحتجاجات وتوسيعها بسرعة في مختلف الولايات.
المعارضة تستثمر الأزمة
استغلت أحزاب المعارضة الاحتجاجات لتوجيه انتقادات حادة للحكومة، مطالبة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في تسريب الامتحانات ومحاسبة المسؤولين عن استخدام القوة ضد الطلاب.
كما أعلنت منظمات طلابية واتحادات مهنية وعدد من منظمات المزارعين دعمها للمحتجين، وكان من أبرز الداعمين زعيم المزارعين راكيش تيكايت، الذي أكد تضامنه مع مطالب الطلاب، معتبراً أن الشباب يواجهون تحديات مشابهة لتلك التي واجهها المزارعون خلال احتجاجاتهم السابقة.
ويرى محللون أن هذا التقارب بين الحركات الاجتماعية المختلفة قد يمنح الاحتجاجات زخماً إضافياً إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
تحذيرات من تصاعد الاضطرابات
وفي تقييمها للأوضاع، أشارت ريما بهاتاشاريا، رئيسة أبحاث آسيا في مؤسسة Verisk Maplecroft العالمية لتحليل المخاطر، إلى أن الهند أصبحت من أكثر الدول عرضة لتصاعد الاضطرابات المدنية نتيجة تراكم المظالم الاجتماعية والاقتصادية.
وأكدت أن متوسط أعداد المشاركين في الاحتجاجات تضاعف خلال العام الأخير، بينما توسعت رقعة المظاهرات لتشمل مناطق مختلفة من البلاد، وهو ما يعكس تحول الاحتجاجات من أحداث محلية إلى ظاهرة وطنية.
وأضافت أن استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع البطالة بين الشباب قد يؤدي إلى موجات احتجاج جديدة حتى في حال احتواء الأزمة الحالية، ما لم تُطرح إصلاحات ملموسة تعالج جذور المشكلة.
يرى خبراء أن مستقبل الاحتجاجات سيتوقف على كيفية استجابة الحكومة خلال الأسابيع المقبلة. فإذا وافقت السلطات على إجراء تحقيقات مستقلة وإصلاح منظومة الامتحانات، فقد يساهم ذلك في تهدئة الشارع واحتواء الغضب.
أما في حال استمرار المواجهة الأمنية دون تقديم حلول سياسية أو إدارية، فإن الحركة مرشحة للتوسع، خاصة مع تزايد الدعم الشعبي وتضامن النقابات والمنظمات المدنية.
ويشير مراقبون إلى أن حكومة مودي نجحت في تجاوز أزمات سابقة، إلا أن خصوصية الاحتجاجات الحالية تكمن في أنها يقودها جيل الشباب، الذي يمثل الشريحة الأكبر من السكان، ويربط مطالبه بقضايا التعليم والوظائف والعدالة الاجتماعية، وهي ملفات يصعب احتواؤها بالحلول الأمنية وحدها.
وفي ظل استمرار الاعتصامات واتساع رقعة التضامن، تبدو الحكومة أمام اختبار سياسي واجتماعي معقد، بينما يترقب الشارع الهندي ما إذا كانت الأزمة ستنتهي عبر الحوار والإصلاح، أم أنها ستتطور إلى مواجهة أوسع قد تعيد رسم المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد خلال المرحلة المقبلة.


