تتحرك الحكومة المصرية لتوسيع منظومة استقطاب الطلاب الوافدين إلى الجامعات، في إطار خطة تستهدف تحويل التعليم العالي إلى أحد روافد القوة الناعمة والعائد الاقتصادي، مع التركيز على تسهيل إجراءات التأشيرات والقبول وتسويق الجامعات المصرية في الخارج.
وجاءت التحركات الجديدة خلال اجتماع عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، مساء الاثنين، في مدينة العلمين الجديدة، لمتابعة تطوير منظومة الطلاب الوافدين، بحضور وزير التعليم العالي والبحث العلمي عبد العزيز قنصوة وعدد من المسؤولين بوزارتي التعليم العالي والخارجية.
وأكد مدبولي أهمية تقديم المزيد من التيسيرات والمحفزات للطلاب الراغبين في الدراسة بمصر، خصوصاً فيما يتعلق بالحصول على تأشيرات الدراسة ضمن مبادرة «ادرس في مصر»، إلى جانب تسريع إجراءات القبول بالجامعات. وتهدف الحكومة من ذلك إلى تعزيز موقع مصر كمركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي.
هدف طموح لزيادة أعداد الوافدين
وتضع وزارة التعليم العالي هدفاً طموحاً يتمثل في زيادة أعداد الطلاب الوافدين الجدد بنسبة تصل إلى 150 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، وفق البرنامج التنفيذي الذي عرضه الوزير خلال الاجتماع.
ولا تقتصر الخطة على تسهيل إجراءات القبول، إذ تشمل استهداف أسواق ودول جديدة، وتعزيز دور المكاتب الثقافية والمراكز الإقليمية والأفرع التابعة للجامعات المصرية في الخارج، إلى جانب تنظيم مزيد من المعارض والفعاليات الدولية للتعريف بالجامعات المصرية وبرامجها الأكاديمية.
وتسعى الوزارة كذلك إلى إعداد حزم وبرامج أكاديمية وخطط تسويقية أكثر قدرة على المنافسة في سوق التعليم الدولي، بما يساعد على زيادة الإقبال على الجامعات المصرية وتعظيم العائد الاقتصادي من الطلاب القادمين من الخارج.
نحو مسار قبول أكثر سرعة
وتتمثل إحدى أبرز المشكلات التي تستهدف الخطة معالجتها في تعدد الإجراءات والمسارات بين الجهات الحكومية والجامعات.
وخلال الاجتماع، جرى التأكيد على العمل من أجل توحيد مسارات القبول والموافقة بين وزارة التعليم العالي والجامعات، وتقليل المدة التي يستغرقها الطالب للحصول على الموافقات وإنهاء الإجراءات.
كما استعرضت الجهات المعنية الإجراءات التي جرى الاتفاق عليها لتقديم مزيد من التيسيرات الخاصة بتأشيرات الطلاب المتقدمين ضمن مبادرة «ادرس في مصر»، في خطوة تستهدف تقليل العقبات أمام الراغبين في الالتحاق بالجامعات المصرية.
وتؤدي وزارة الخارجية، عبر قطاع العلاقات الثقافية، دوراً في مساندة المبادرة وتسهيل حصول الطلاب على التأشيرات المطلوبة، بما يعكس اتجاهاً نحو التعامل مع الطالب الوافد باعتباره جزءاً من منظومة متكاملة تبدأ من التقديم ولا تنتهي عند الوصول إلى مصر.
198 ألف طالب من أكثر من 120 دولة
وتكشف أرقام حديثة عن اتساع قاعدة الطلاب الدوليين في مصر. وقال أحمد عبد الغني، رئيس الإدارة المركزية لشؤون الطلاب الوافدين، في تصريحات خلال يوليو، إن نحو 138 ألف طالب وافد يدرسون في الجامعات المصرية التابعة لوزارة التعليم العالي، إلى جانب نحو 60 ألفاً آخرين في جامعة الأزهر، وينتمي هؤلاء الطلاب إلى أكثر من 120 دولة.
وتعني هذه الأرقام أن منظومة التعليم المصري تستقبل بالفعل قاعدة واسعة من الطلاب الدوليين، وهو ما تحاول الحكومة البناء عليه خلال السنوات المقبلة بدلاً من الاكتفاء بالمعدلات الحالية.
وتبرز في هذا السياق أهمية التخصصات التي تستقطب الطلاب من مناطق مختلفة. فطلاب الهند ونيبال وباكستان يبدون اهتماماً ملحوظاً بالتخصصات الطبية والهندسية، فيما يزداد اهتمام طلاب ماليزيا وبعض دول آسيا الوسطى بالتخصصات التقنية وهندسة الطاقة، بينما تعد نيجيريا من الأسواق المهمة للطلاب الراغبين في دراسة الطب في مصر، وفق تصريحات عبد الغني.
التعليم كقوة ناعمة
ولا تنظر القاهرة إلى ملف الطلاب الوافدين باعتباره ملفاً تعليمياً فقط.
فالطالب الذي يقضي سنوات دراسته في مصر يندمج في المجتمع المصري ويتعرف على مؤسساته وثقافته، ثم يعود إلى بلاده حاملاً تجربة يمكن أن تتحول إلى روابط علمية وثقافية طويلة الأمد. ولهذا تصف الحكومة منظومة الطلاب الوافدين بأنها إحدى أدوات القوة الناعمة المصرية.
وأكد مدبولي خلال الاجتماع أن تطوير هذه المنظومة يدعم الروابط الثقافية والعلمية بين مصر ومختلف دول العالم، فضلاً عن مساهمته في جذب المزيد من العملة الصعبة.
مبادرة بدأت في 2019
وتعود مبادرة «ادرس في مصر» إلى عام 2019، عندما أطلقتها وزارة التعليم العالي ضمن توجه لتطوير منظومة رعاية الطلاب الوافدين وتسهيل التحاقهم بالجامعات المصرية.
وشملت المبادرة في بدايتها إجراءات إلكترونية وخدمات لتسهيل التقديم والقبول، إلى جانب التوسع في الترويج للتعليم المصري وتنظيم الفعاليات الدولية لاستقطاب الطلاب.
وتطور هذا المسار تدريجياً مع زيادة أعداد الطلاب الوافدين، وصولاً إلى الوضع الحالي الذي تستهدف فيه الحكومة تحقيق قفزة كبيرة في أعداد الملتحقين الجدد خلال السنوات الخمس المقبلة.
التوسع دون الإضرار بالطلاب المصريين
ويطرح هذا التوسع في المقابل تحدياً يتعلق بالطاقة الاستيعابية للجامعات واحتياجات سوق العمل المصرية.
ويشير وزير التعليم العالي الأسبق ورئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب أشرف الشيحي إلى أن العديد من الجامعات المصرية لديها قدرة على استيعاب أعداد أكبر من الطلاب الوافدين، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة ألا يأتي ذلك على حساب احتياجات الطلاب المصريين، خصوصاً في التخصصات التي ترتبط بسوق العمل وتحتاج إلى أعداد كبيرة من الخريجين، مثل الطب والهندسة.
ومن ثم، فإن نجاح الخطة لا يرتبط فقط بزيادة أعداد الطلاب القادمين من الخارج، وإنما بقدرة الدولة على تحقيق توازن بين البعد الاقتصادي للمشروع واحتياجات منظومة التعليم المصرية.
وتشير الخطوات الحكومية الأخيرة إلى أن القاهرة باتت تتعامل مع التعليم الدولي باعتباره سوقاً متنامية تجمع بين العائد المالي والدور الثقافي والدبلوماسي. وإذا نجحت خطة زيادة أعداد الطلاب الجدد بنسبة 150 في المائة، فإن الجامعات المصرية ستكون أمام مرحلة جديدة من المنافسة على الطلاب الدوليين، تقوم على سرعة الإجراءات وجودة البرامج الأكاديمية والتسويق الخارجي، إلى جانب قوة الاسم المصري في محيطه العربي والأفريقي والدولي.






