شهد العلاقات بين إيران والولايات المتحدة حالة من التوتر المزمن الممتد منذ عقود، كان ابرزها الحربين التي شنتهما واشنطن وتل أيبيب علي طهران في يونيه 2025وفبراير 2026 إلا أن هذه المواجهات العسكرية لم تمنع وجود فترات متقطعة من التفاوض كانت تظهر كلما توافرت ظروف إقليمية ودولية مواتية.
، وحلال الساعات التساؤلات حول احتمالات عقد جولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين، في العاصمة الباكستانية إسلام أباد في ظل متغيرات سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة تضغط على كلا الجانبين.
حيث ترتبط احتمالات استئناف المفاوضات بشكل وثيق بالملف النووي الإيراني، الذي ظل محور الخلاف الأساسي منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني 2015 عام 2018. ورغم محاولات إدارة جو بايدن إحياء الاتفاق، فإن العقبات ظلت قائمة، خاصة فيما يتعلق بمستوى تخصيب اليورانيوم، وآليات الرقابة الدولية، ورفع العقوبات.

في 2026، يبدو أن كلا الطرفين يدرك أن استمرار الوضع الحالي غير قابل للاستدامة، ما يعزز فرص العودة إلى طاولة التفاوض ولو بشكل غير مباشر اومباشر كما جري في جولةمفاوضات اسلام الاباد الأخيرة بين رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ونائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس .
وفي هذا السياق تلعب الضغوط الاقتصادية دوراً محورياً في دفع إيران نحو التفاوض. فالعقوبات الأمريكية المستمرة التي وصلت مداهل بحصار أمريكي للموانئ الإيرانية مما كان له بالغ الأثر بشكل كبير على الاقتصاد الإيراني، من حيث انخفاض قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم وتراجع الاستثمارات الأجنبية.
ورغم محاولات طهران الالتفاف على العقوبات التي وصلت مدهاها عبر الحصار البحري الأمريكي عبر تعزيز علاقاتها مع قوى مثل الصين وروسيا، إلا أن هذه البدائل لم تعوض بالكامل خسائرها الاقتصادية، ما يجعل خيار التفاوض وسيلة محتملة لتخفيف الضغوط.
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديات استراتيجية في الشرق الأوسط، حيث تسعى إلى تقليل انخراطها العسكري المباشر خصوصا أن الحرب مع إيران لمتحقق أغلب أهدافها بحسب مراقبين والتركيز على ملفات أخرى مثل المنافسة مع الصين والحرب في أوكرانيا. ومن هذا المنطلق، قد ترى واشنطن في التوصل إلى تفاهم مع إيران وسيلة لخفض التوتر الإقليمي، خاصة في مناطق حساسة مثل الخليج العربي ومضيق هرمز.
ولا يمكن هنا تجاهل تأثير العوامل الإقليمية بشكل مباشر على فرص المفاوضات ومحاولة فرض جولة اخري من المفاوضات في باكستان . فالتقارب النسبي بين إيران وبعض الدول العربية، يسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للحواروحث واشنطن وطهران علي الجلوس لطاولة المفاوضات في جولة ثالثة في باكستان فد تكتب نهاية الحرب التي استمرت لأكثر من40يوما
. في المقابل، تظل إسرائيل أحد أبرز المعارضين لأي اتفاق جديد لا يحد بشكل صارم من البرنامج النووي الإيراني ونفوذها الإقليمي، وهو ما قد يشكل ضغطاً على واشنطن لعدم تقديم تنازلات كبيرة.

لذا يذهب أغلب المراقبين الي ان جولةجديدة سنعقد للمفاوضات بين الطرفين في باكستان يرجح أن تكون الجمعة كما رجح الرئيس المريكي دونالد ترامب رغم استمرار انعدام الثقة بين الطرفين، مخاوف طهران من احتمال تعرضها للخديعة الثالثة من قبل واشنطن لكنه في الوقت ذاته يوفر مساحة للمناورة السياسية دون ضغوط إعلامية كبيرة.
أما عن ما يمكن أن تحققه جولة جديدة من المفاوضات، فهناك عدة سيناريوهات محتملة. السيناريو الأول يتمثل في التوصل إلى اتفاق جزئي أو مرحلي، يتضمن تجميد بعض الأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف محدود للعقوبات. هذا الخيار قد يكون الأكثر واقعية في ظل صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل في الوقت الراهن.
أما السيناريو الثاني هو العودة إلى نسخة معدلة من الاتفاق النووي لعام 2015، مع إدخال بنود إضافية تتعلق بالصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي لإيران. إلا أن هذا السيناريو يواجه عقبات كبيرة، نظراً لرفض طهران ربط هذه الملفات بالاتفاق النووي، واعتبارها جزءاً من سيادتها الدفاعية.
أما السيناريو الثالث، فهو فشل المفاوضات واستمرار التصعيد، سواء عبر زيادة العقوبات أو من خلال مواجهات غير مباشرة في مناطق النفوذ. هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة، وقد يؤدي إلى مواجهات عسكرية محدودة أو حتى صراع أوسع.
لذا تبدو فرص عقد جولة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في باكستان قائمة، لكنها ليست مضمونة. فالعوامل الدافعة نحو التفاوض، مثل الضغوط الاقتصادية والرغبة في تجنب التصعيد، تقابلها عوامل معرقلة مثل انعدام الثقة والتباينات العميقة في المواقف. ومع ذلك، فإن التاريخ الحديث للعلاقات بين البلدين يظهر أن التفاوض يظل خياراً مطروحاً دائماً، حتى في أحلك فترات التوتر.
ومن هنا يجدر بنا القول أن أي جولة قادمة من المفاوضات لن تكون حلاً سحرياً، لكنها قد تمثل خطوة مهمة نحو إدارة الصراع بدلاً من تفجيره، وهو ما يصب في مصلحة الاستقرار الإقليمي والدولي على حد سواء


