في الحرب السياسية، الأخلاقية، والدولية التي تخوضها إسرائيل اليوم، تتضح بجلاء عناصر القوة التي تميل لصالح القضية الفلسطينية، والعوامل التي تجعلها تخسر التأييد، خصوصًا من أوروبا، بينما تكسب المقاومة تعاطفًا شعبيًا وسياسيًا واسعًا. المقال الآتي يحاول تحليل هذا الواقع، مع إبراز كيف أن إسرائيل فشلت في تنفيذ بعض مشاريعها الكبرى مثل التهجير، الاستيطان، وإقامة “إسرائيل الكبرى”، رغم الخسائر البشرية الفادحة وهدم قطاع غزة.
منذ اندلاع الحرب بعد 7 أكتوبر 2023، تطورت الصورة الدولية للقضية الفلسطينية بطريقة دراماتيكية. المعارك العسكرية والدمار البشري الذي لحق بقطاع غزة لم تجنب تجربة فلسطينية من الدمار فحسب، بل حوّلت الصراع إلى مسألة أخلاقية وقضية رأي عام عالمي يفوق الكثير من الحسابات السياسية القديمة.
إسرائيل تخسر الدعم الأوروبي
يتراجع التأييد الشعبي
درست استطلاعات رأي في عدة دول أوروبية مثل ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، الدنمارك، والمملكة المتحدة، وأظهرت أن النظرة العامة لإسرائيل وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، فيما يتعلق بأفعالها في حرب غزة.
أعداد كبيرة من الأوروبيين لا يرون أن العمليات العسكرية الإسرائيلية كانت “مناسبة” أو “ضرورية”، بل يعتبرونها تجاوزات تؤدي إلى خسائر مدنية كبيرة.
الضغط السياسي الرسمي
الحكومات الأوروبية بدأت تُعبّر عن استياءها، سواء في التصريحات الرسمية أو عبر طلبات لرفع الحصار أو وقف العمليات العسكرية أو مراجعة العلاقات. الدول سبقت مثل إسبانيا، فرنسا، إيرلندا، وسلوفينيا طالبت بخطوات مفعّلة تجاه إسرائيل. مجلس أوروبا تحدث عن “جوع مُتعمد” وعن مسؤولية أخلاقية تجاه المدنيين الفلسطينيين.
السفير الإسرائيلي لدى الاتحاد الأوروبي، هايم ريجف، نفسه اعترف بأن الدعم الأوروبي “تآكل” بعد أن وصلت الصور من غزة إلى ضمير الرأي العام الأوروبي.
المقاومة تكسب التعاطف
القوة الرمزية والمعنوية
الصورة التي خرجت من غزة، صور الأطفال الجياع، المدنيين تحت الأنقاض، الانقطاع عن المساعدات، كلها خلقت أصداء كبيرة في الإعلام العالمي وعلى وسائل التواصل، مما جعل القضية الفلسطينية تبدو لأوسع شريحة من الناس كقضية عدالة أخلاقية، لا مجرد نزاع سياسي أو إقليمي.
هذا التعاطف تحول إلى ضغط على الحكومات والتجمعات السياسية في أوروبا، مما يضطر بعضها لمراجعة مواقفها أو على الأقل التعبير عن احتجاجات.
الدعم الدولي المؤسسي
المنظمات الدولية، المنظمات الحقوقية، وكذلك بعض الدول التي كانت سابقًا محايدة أو متأرجحة، بدأت تنضم إلى المطالب التي تُحمّل إسرائيل مسؤولية عمليات الهدم، التهجير، وفرض الحصار. هذا الدعم لا يُقاس فقط بالكلمات، بل بطلبات رسمية لوقف إطلاق النار، السماح بالدخول الكامل للمساعدات، ومراقبة دولية.
رغم الخسائر: القضية باتت واضحة
لا يمكن تجاهل الأرقام: آلاف الضحايا، دمار واسع في البُنية التحتية، نزوح ملايين من سكان غزة، نقص في الغذاء والدواء والكهرباء والمياه. ولكن، رغم ذلك، ربما هذه الخسائر نفسها ساهمت في توضيح القضية أمام العالم: أن التمييز في المعاملة، الحصار، واستمرار الاستيطان كلها تشكل عنفًا منهجيًا وليس أخطاء عرضية.
القضية الفلسطينية اليوم ليست مجرد نزاع حدود أو إرهاب وحرب؛ أصبحت مسألة حقوق إنسان، احترام للقانون الدولي، محاسبة لنزعة الاستيطان، والعيش الكريم. الجمهور في أوروبا والعالم صار يستوعب أن ما يحدث في غزة ليس مجرد تدخّل عسكري، بل إرث طويل من الاحتلال، الهدم، التهجير، التوسع الاستيطاني.
إسرائيل باتت عبء على داعميها
الخسارة السياسية للدول الحليفة
دول كانت تقدم دعمًا سياسيًا وعسكريًا لإسرائيل تجد نفسها الآن تحت ضغط شعبي كبير، مما يجعل استمرار الدعم مكلفًا من الناحية السياسية داخليًا، لا من الناحية الأخلاقية فحسب. سياسات مثل تصدير الأسلحة أو الدعم المالي تُراجع أو تُعلق في بعض البلدان.
ضعف المشروع الاستيطاني والتهجيري
من المشاريع الكبرى التي تراهن عليها إسرائيل: توسيع المستوطنات، السيطرة على الأرض، التهجير الجزئي للفلسطينيين، وربما توسيع النفوذ الأمني والسياسي عبر ما يُسمّى “إسرائيل الكبرى”. لكن:
الإدانة الدولية للاستيطان الجديد والموافقة على بناء مستوطنات جديدة تثير احتجاجات دبلوماسية وقانونية من دول ومنظمات.
الجهود لتهجير الفلسطينيين أو تطويعهم عبر الحصار أو القصف تفشل في كسب الشرعية، بل تزيد من العزلة الدولية.
المشروع الكبير الذي يعتمد على فرض واقع استيطاني دون وجود حل سياسي مؤسس يتعرض لضغوط داخلية إسرائيلية أيضًا، من مواطنين، منظمات حقوق إنسان وحتى من داخل إسرائيل، كما أشار بعض القادة العسكريين السابقين إلى أن الاستقطاب الاستيطاني لا يجلب النتائج المرجوة دائمًا.
فشل “إسرائيل الكبرى” كمشروع
“إسرائيل الكبرى” فكرة تشير إلى التوسع الاستيطاني، ضم أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، خلق واقع ديموغرافي جديد يضمن تفوقًا دائمًا للدولة اليهودية، وتقويض أي إمكانية لدولة فلسطينية كاملة السيادة. لكن عدة عوامل تجعل هذا المشروع معرضًا للفشل:
1- المقاومة الشعبية والتفاوض على الأرض
رغم التهديدات، الفلسطينيون لم يفقدوا القدرة على المقاومة – سياسيًا، إعلاميًا، قانونيًا. الدعم الدولي، من مؤسسات ومنظمات حقوقية ومن دول، يجعل قبول الضم أو التوسع بلا عقبات أمرًا صعبًا.
2- القانون الدولي والقرارات الأممية
القرارات الأممية، الآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية، المنظمات الحقوقية كلها تصف الاستيطان بأنه مخالف للقانون الدولي. ذلك يُلزم الدول التي ترغب في الحفاظ على سمعتها الدبلوماسية بالتعامل بجدّية مع هذا الواقع.
3- التكاليف الأمنية والسياسية والاجتماعية الداخلية
المستوطنات الكبيرة تحتاج إلى حماية أمنية مكلفة، وتولِّي إدارة مناطق ذات أغلبية فلسطينية تتطلب استثمارات ضخمة، فضلاً عن التظلم الداخلي لدى العرب داخل إسرائيل وحتى لدى اليهود المناهضين للسياسات الاستيطانية.
4- تغير الموازين الدولية لصالح الحقوق والمساءلة
هناك ميل عالمي متزايد نحو مساءلة الانتهاكات، استخدام الأدلة، الصور، الإعلام الاجتماعي، المحاكم الدولية. هذا يخلق بيئة تجعل السياسات القائمة على التهجير والاستيطان دون حل سياسي متوازن يصعب تمريرها دون تكاليف سياسية.
إسرائيل تواجه اليوم خسارة في ميدان السياسة والأخلاق، بل وحتى في موازين الدول التي كانت تحسبها من صلب التحالفات التي لا تتزعزع. من الناحية الأخلاقية، القضية الفلسطينية فازت بتعاطف عالمي لا يُستهان به، يكفي أن ترى كيف تغيرت مواقف الشعوب والحكومات الأوروبية. سياسيًا، إسرائيل أصبحت تحمل عبءًا متزايدًا على داعميها، الذين لم يعودوا يرتاحون لدعمها بلا تحفظات.
ورغم الدمار، ورغم الخسائر البشرية والمادية الهائلة في غزة، فإن الشعب الفلسطيني والقضية برمّتها صار أمام العالم بكل وضوح: الاحتلال، الاستيطان، التهجير، التحديات الإنسانية، كلها واضحة للعيان، وصعب الآن إنكارها أو تجاهلها.
إذا استمر الأمر بهذا المنوال، من الصعب تصور كيف تستمر إسرائيل في مشروع “إسرائيل الكبرى” دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا، دبلوماسيًا، وربما اقتصاديًا كبيرًا جدًا. إما أن تعدل سياساتها، أو تواجه عزلة متزايدة.
غزة وفيتنام: وجهان لعملة واحدة
عندما نتأمل ما يحدث في غزة اليوم، من حيث الصمود في وجه قوة عسكرية كبرى، والتأثير العميق في الرأي العام العالمي، فإننا لا نستطيع إلا أن نستحضر تجربة فيتنام في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث واجه شعب أعزل، بإمكانيات محدودة، قوة عسكرية هي الأقوى في العالم آنذاك: الولايات المتحدة.
كما في فيتنام، لم تكن المعركة في غزة متكافئة من حيث السلاح أو عدد القوات أو التكنولوجيا، لكنها متكافئة – بل متفوقة – من حيث الروح المقاومة، والقدرة على الصمود، وكسب المعركة الأخلاقية أمام العالم.
في الحالتين:
كان الهدف العسكري يتمثل في إخضاع شعب وإجباره على الاستسلام سياسيًا واجتماعيًا.
استخدمت القوة المفرطة، القصف الجوي، والحصار كوسائل لتركيع الخصم.
لكن النتيجة كانت انهيار السردية الأخلاقية للطرف الأقوى، وصعود مقاومة محلية أصبحت رمزًا عالميًا للحرية.
المقاومة الفلسطينية، مثل الفيتنامية، لم تنتصر فقط بالبندقية، بل بالصورة، بالصوت، بالثبات، وبإرغام العالم على رؤية الحقيقة كما هي، لا كما تُراد له أن تُروى. وفي كلتا الحالتين، فإن القوة الأخلاقية للمقهورين أثبتت أنها أكثر تأثيرًا من ترسانة الجيوش.
وغزة اليوم، كما كانت هانوي بالأمس، باتت رمزًا لعصر تتغير فيه موازين الصراع، ليس فقط على الأرض، بل في وجدان الشعوب.







