الأمة// دخل حظر الحجاب على التلميذات المسلمات دون الرابعة عشرة في النمسا مرحلة قانونية جديدة، بعدما أعلنت المحكمة الدستورية في 21 سبتمبر 2026 أنها تتوقع إصدار حكمها بشأن دستورية القانون خلال النصف الأول من عام 2027.
ويأتي ذلك بعد دخول الحظر حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر مع بداية العام الدراسي الجديد، لتصبح القضية اختباراً مهماً للعلاقة بين حماية الأطفال وحرية المعتقد والمساواة أمام القانون.
ويقضي القانون بمنع التلميذات حتى إتمام الرابعة عشرة من ارتداء غطاء للرأس يحجب الشعر «وفق التقاليد الإسلامية» داخل المدارس العامة والخاصة. ويبدأ التعامل مع المخالفة بحوار بين إدارة المدرسة والتلميذة ووالديها، ثم يمكن إحالة القضية إلى السلطات التعليمية، ومع تكرار المخالفات قد تصل العقوبة إلى غرامة تتراوح بين 150 و800 يورو، مع إجراءات إضافية في الحالات المتكررة.
وتكتسب خطوة المحكمة أهمية خاصة لأن المحكمة نفسها سبق أن أبطلت في عام 2020 قانوناً نمساوياً كان يحظر الحجاب على الأطفال الأصغر سناً، بعد أن خلصت آنذاك إلى وجود مشكلات تتعلق بالتمييز والحياد الديني للدولة. غير أن المحكمة في يونيو 2026 لم تدخل في جوهر الطعن الحالي، إذ رفضت طلبات خمس تلميذات وأوليائهن لأسباب إجرائية تتعلق بعدم تحقق شرط التأثر المباشر بالقانون قبل دخوله حيز التنفيذ. وبعد بدء تطبيقه أصبح الطريق القانوني أمام الطعون أكثر وضوحاً.
وتكشف المواقف النمساوية عن انقسام حقيقي حول الغاية من التشريع. فقد دافعت الحكومة والجهات المؤيدة له عن أهداف مرتبطة بحماية الفتيات والاستقلالية والمساواة، بينما قالت جهات أخرى إن استهداف لباس ديني بعينه يثير أسئلة حول التمييز وحرية الاعتقاد. البرلمان النمساوي نفسه سجل أن حزب الخضر عارض القانون معتبراً أنه يميز ضد الأطفال المسلمين ويتعارض مع اتفاقية حقوق الطفل، بينما رأت هيئة المساواة في النمسا أن للحظر «إمكانات تمييزية عنصرية»، وحذرت من أن بعض مظاهر الإساءة إلى التلميذات ظهرت حتى خلال مرحلة التعريف بالقانون قبل دخوله حيز التنفيذ.
وفي المقابل، لا يوجد إجماع بين الباحثين والمتخصصين المسلمين أو غير المسلمين على تفسير القضية. عالم الاجتماع كنان غونغور، مدير مكتب «ثينك ديفرنس» للبحوث والاستشارات، أيد القانون من حيث المبدأ، لكنه وصفه بأنه ليس حلاً أنيقاً. أما مديرة مدرسة التربية الخاصة في فيينا بيترا باور فوصفت تطبيقه بأنه صعب تربوياً وإنسانياً، في حين رأى القانوني شتيفان شيما أن هناك فرصاً جدية أمام الطاعنين في المستقبل لإسقاط الحظر أمام المحكمة الدستورية.
وبالنسبة إلى الأسر المسلمة، لا تتعلق المسألة بمجرد قطعة من الملابس، بل بممارسة دينية وهوية شخصية في سن مبكرة. وتوضح وثائق الطعن أمام المحكمة أن بعض الأسر قالت إن بناتها يرغبن في الاستمرار في ارتداء الحجاب، وإنهن يخشين من الضغوط المدرسية والعقوبات التي قد يتعرض لها أولياء الأمور. كما أشارت الوثائق إلى أن بعض الطالبات رأين في إلزامهن بخلع الحجاب تدخلاً مباشراً في قناعتهن الدينية.
وتتجاوز القضية حدود النمسا لأن دولاً أوروبية أخرى تناقش في الوقت نفسه قيوداً مختلفة على بعض المظاهر الإسلامية في المدارس والمجال العام. ففي إيطاليا أعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في 20 سبتمبر عن توجه حكومي لمنع النقاب والبرقع في المدارس، مع إجراءات أخرى تخص الطلاب الأجانب، بينما تشهد بريطانيا نقاشات مختلفة حول الإسلاموفوبيا ودور المساجد في المجتمع. وهذا يجعل الحكم النمساوي المنتظر في 2027 محل اهتمام يتجاوز حدود البلاد، خصوصاً في ظل اتساع الجدل الأوروبي حول كيفية تحقيق الاندماج دون تحويل الانتماء الديني إلى معيار للتمييز.
المسار القادم سيكون قانونياً وسياسياً في آن واحد: فإذا أيدت المحكمة الحظر فستصبح النمسا نموذجاً مهماً في تنظيم المظاهر الدينية للأطفال داخل المدارس، وإذا أبطلت القانون فسيعاد فتح النقاش حول حدود تدخل الدولة في الممارسة الدينية للأطفال، وحول ما إذا كانت الحماية من الضغوط الأسرية يمكن تحقيقها بوسائل تربوية واجتماعية أقل تقييداً للحرية الدينية.
المصادر:
المحكمة الدستورية النمساوية، 21 سبتمبر 2026؛ البرلمان النمساوي، 28 أغسطس 2026؛ هيئة المساواة النمساوية، 4 سبتمبر 2026؛ هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية، 4 سبتمبر 2026؛ وكالة رويترز، 21 سبتمبر 2026.


