في مشهد قضائي وسياسي غير مسبوق منذ ثورة 2011، تتابع تونس بقلق شديد تداعيات حكم المحكمة الابتدائية بسجن عميد المحامين الأسبق ورئيس هيئة مكافحة الفساد السابق شوقي طبيب (62 عاماً) عشر سنوات، بتهم «التدليس واستعمال وثائق مدلسة»، في وقت تصدرت فيه وزارة الدفاع مشهداً موازياً ببيان نادر رفضت فيه «محاولات الزج بالمؤسسة العسكرية في التجاذبات السياسية». التطوران المتزامنان فتحا باباً واسعاً لتأويلات متضاربة: بين من يرى في الحكم «انتصاراً للقضاء المستقل»، ومن يعتبره «انتقاماً سياسياً ممن كشف فساد القمّة»، وسط تساؤلات عن علاقة البيان العسكري بهذا التصعيد.
بين الروايتين: محاكمة أم محاصرة؟
الرواية الأولى – مناصرو السلطة:
يقول مؤيدو الرئيس قيس سعيّد، والقانونيون المقربون من دوائر الحكم، إن القضاء التونسي «أثبت استقلاليته» بمحاكمة شخصية كانت في موقع حساس، وإن التهم الموجهة إلى شوقي طبيب (حيازة واستعمال وثائق مدلسة) «ليست سياسية بل جنائية بحتة». ويرون أن حلّ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (INLUCC) عام 2021 جاء لأنها «خرجت عن دورها التقني وأصبحت أداة ضغط»، وأن البيان العسكري ليس إلا تأكيداً على حياد الجيش الذي لا يمكن استغلاله في أي صراع، وهو موقف «يصب في صالح الشرعية».
الرواية الثانية – المعارضة والحقوقيون:
في المقابل، تصف نقابة المحامين ومنظمات حقوقية محلية ودولية الحكم بأنه «انتقامي بامتياز». ويذكر المحامي سمير ديلو، عضو فريق الدفاع، أن موكله «حوكم دون الاطلاع على ملف القضية ودون تمكينه من حق الدفاع»، وأن الحكم جاء بعد أسابيع من دعوات أطلقها الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي وغيرهم لتوريط الجيش. ويرى هؤلاء أن القضاء «أصبح تحت الوصاية التنفيذية»، وأن البيان العسكري في جوهره «رسالة ضمنية بأن النظام المدني فقد السيطرة»، لدرجة أن الجيش اضطر للتذكير بأنه ليس طرفاً في النزاعات السياسية.
خلفية القضية: تقرير أطاح برئيس حكومة
تعود الجذور إلى عام 2020، حين كان شوقي طبيب رئيساً للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وأعدّ تقريراً اتهم فيه رئيس الحكومة آنذاك إلياس الفخفاخ بـ«تضارب المصالح» لاحتفاظه بحصص في شركات تبرم صفقات مع الدولة. التقرير قُدّم إلى البرلمان وأدى فعلاً إلى استقالة الفخفاخ. لكن الأخير أقال الطبيب من رئاسة الهيئة بعد أيام، في خطوة اعتُبرت آنذاك «غير دستورية». وبعد أربع سنوات، وبعد حلّ الهيئة نفسها، فتحت النيابة العامة ملفاً جديداً ضد الطبيب بناءً على شكوى من شريك تجاري للفخفاخ، يتهم فيها الطبيب باستعمال وثائق «مدلسة» في تقريره الأصلي.
البيان العسكري: رسالة أم تحذير؟
في 21 مايو الجاري، أصدرت وزارة الدفاع بياناً «مفاجئاً وقاطعاً» جاء فيه: «تؤكد وزارة الدفاع الوطني رفضها القاطع لأي محاولات متكررة للزج بقيادات المؤسسة العسكرية في التجاذبات السياسية، وتشدد على حياد المؤسسة العسكرية والتزامها التام بقوانين الدولة». لم يذكر البيان أي جهة بالاسم، لكن توقيته (بعد أيام من دعوة المرزوقي للجيش بـ”حماية الدولة”) جعل كثيرين يعتقدون أنه ردّ على تلك الدعوات. بينما رأى محللون أن البيان موجه أيضاً إلى أطراف داخل السلطة ربما حاولت استمالة الجيش لترجيح كفة في صراعاتها.
تداعيات فورية: إضرابات واستئناف
أعلنت نقابة المحامين التونسيين «إضراباً شاملاً» في عدة دوائر قضائية، ووصفت الحكم بأنه «يخرق الدستور والمواثيق الدولية». في غضون ذلك، دخل شوقي طبيب في اعتصام مفتوح داخل قسم الشرطة احتجاجاً على ما وصفه بـ«الاستهداف المفضوح». فريق الدفاع أعلن أن الاستئناف سيكون «المعركة الحقيقية»، معتمداً على إثبات بطلان الوثائق المدعى تزويرها.
أما البيان العسكري، فلم يصدر بعده أي توضيح إضافي، مما زاد التكهنات: هل هناك نية لتدخل عسكري؟ أم أن الجيش يريد فقط أن يبقى بعيداً عن الأزمة؟ المصادر العسكرية غير الرسمية تؤكد أن «البيان ليس تهديداً، بل تذكيراً بالقانون»، لكن الواقع الميداني يشير إلى حالة استقطاب غير مسبوقة.
ماذا يحدث في تونس؟
واقعياً، تونس تمر بثلاث أزمات مترابطة:
-
أزمة ثقة في القضاء: استمرار صدور أحكام تبدو انتقامية ضد شخصيات سياسية وإعلامية وقانونية (بما فيها المحامون والناشطون) يغذّي رواية «تسييس القضاء». حتى لو كانت الأدلة قوية في قضية معينة، فإن تراكم هذه القضايا يخلق انطباعاً عاماً بعدم استقلالية السلطة القضائية.
-
أزمة شرعية السلطة التنفيذية: الرئيس قيس سعيّد الذي حلّ البرلمان وألغى دستور 2014 ووسّع صلاحياته، يواجه تحدياً في إقناع الداخل والخارج بأنه لا يستخدم القضاء لمطاردة خصومه.
-
أزمة دور الجيش: البيان العسكري يدل على أن الجيش يريد البقاء خارج المعادلة السياسية، لكن مجرد الشعور بالحاجة لإصداره يعني أن بعض الأطراف حاولت فعلاً إقحامه. وهذا أخطر ما في الأمر: فالجيش التونسي، الذي كان دائماً الضامن الأخير للاستقرار، يجد نفسه مضطراً لتذكير الجميع أنه ليس طرفاً – وهذا بحد ذاته اعتراف ضمني بأن هناك من يحاول استغلاله.
السيناريو المرجح: اشتعال سياسي إلى حين الاستئناف
يتوقع مراقبون أن تشهد الأسابيع المقبلة تحركات احتجاجية للمحامين والقضاة السابقين وأحزاب المعارضة، مع ضغوط دولية خفية تطالب بمراجعة الحكم في مرحلة الاستئناف. في المقابل، لن تتراجع السلطة عن موقفها القاضي بأن القضاء مستقل، وقد تستخدم البيان العسكري لتأكيد أنها تحترم القانون. الخطر الأكبر يتمثل في أن تتحول قضية شوقي طبيب إلى «مسمار جحا» في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، وتتحول البيان العسكري إلى «سيف مسلط» على أي تجاوز مستقبلي.
اختبار حقيقي لتونس
في النهاية، تظل تونس أمام امتحان صعب: هل ستثبت أن لديها قضاء مستقلاً حقاً عبر النظر في استئناف الطبيب بموضوعية وشفافية؟ وهل سينجح الجيش في الحفاظ على حياده دون أن يُجرّ إلى مواجهة سياسية؟ الإجابات عن هذين السؤالين ستحدد ما إذا كانت تونس ستخرج من أزمتها الحالية أقوى، أم ستغرق في دوامة جديدة من عدم الاستقرار.







