تأملتُ في هذا المشهد الذي تنفطر له القلوب، فرأيتُ كيف تخطُّ المحنُ سطورَها القاسية على وجوه الرجال؛ يخرج المرءُ من عتمة الأسر هزيلاً ضامراً، قد كَبِرَ في ملامحه عمراً فوق عمره، وذبل في جسده ما كان يافعاً نضراً، كأنما أنفقت المحنةُ من صحته ولحمه في شهورٍ معدودات ما لا تنفقه السنون المتطاولة في رغد العافية.
هكذا يبتلي اللهُ عباده باللأواء والمحن؛ ليُذكّرهم بهوان هذا القالب الترابي، ويُوقفهم على حقيقة هذه الدار التي لا يدوم فيها سرور، ولا تسلم فيها مهجةٌ من كدر؛ غير أن أبلغ ما في ميزان الاعتبار، أن ترى هذا الوهنَ البادي في عوارض الجسد، بينما الروح في باطنها لا تزال تقبض على جمرتها، متشبثةً بيقينها، ناطقةً بأن المبادئ لا تذوب في قيعان المحابس وإن نَحِلَ الجسدُ وأثقله العناء.
ولقد كان في كلماته المنهكة موعظةٌ بالغة لكل ذي لُبّ، حين نادى بأن تكفَّ الخصوماتُ في هذه الأمة، وألا تُفنى أعمارُ الناس في قيعان السجون؛ وإن المرء ليتساءل بأسى الواعظ المشفق: أما آن لهؤلاء الحكام وأرباب السلطان أن يستيقظوا من غفلتهم، وأن يزنوا أفعالهم بميزان الشريعة الذي لا يحيف؟
ليتهم يقفون وقفةَ تَدبُّرٍ عند ما صح في سنن النبوة؛ فإذا كانت امرأةٌ قد استوجبت عذابَ الجحيم في هِرّةٍ حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض حتى هلكت، فبالله العظيم كيف يكون مصيرُ من حبس إنساناً كرّمه الله، وسلب حريته، ودفنه حياً في قعر زنزانةٍ لشهورٍ أو سنين لا لجرمٍ قارفه سوى كلمةٍ قالها أو خصومةٍ سياسية؟
وليعلم كل من تسلط على رقاب العباد أن إطلاق سراح المظلومين بعد احتجازهم بغير حق، ليس منّةً يتفضل بها الحابس، ولا مكرمةً يُحمد عليها السجان، بل هو تراجعٌ عن ورطةٍ مهلكة، ورفعٌ لجزءٍ من وزرٍ ينوء به كاهلُ أصحاب السلطان يوم الحساب؛ فإن كانت بهيمةٌ عجماء كافيةً لإيراد صاحبها سقر، فما ظن من جعل زنازينه مقابر لأعمار الأحرار، واستجلب على نفسه دموع الثكالى ودعوات الأسحار التي تصعد إلى السماء بلا حجاب؟
إن الواجب على كل من تولى من أمر المسلمين شيئاً أن يبادر بتبييض السجون ورفع المظالم توبةً إلى الله ونجاةً من غضبه، لا تفضلاً على الرعية؛ فالملك ظلٌّ زائل، وسيعلم الظالمون أي منقلبٍ ينقلبون.
ثم ها هو هذا الشاعر المرهق يستأذن الناس في خلوةٍ ونقاهة، وحقٌّ لمن عركته المحن وخاض غمار الوحشة أن يأوي إلى كهف السكينة، ليرمم ما تصدع من بنيانه، ويسترد أنفاسه بين يدي ربه بعيداً عن صخب الخلائق وجورهم.
وإليك أقول يا عبد الرحمن، بقلب الأخ المشفق ولسان الود الصادق: لقد رأينا في وجهك الشاحب وقسماتك المنهكة ما أوجع الفؤاد وأفاض الدمع، وعلمنا كيف أخذت المحنةُ من نضارة شبابك، فطب نفساً وقَرَّ عيناً، ولا تستثقل في نفسك هذا الغياب، ولا تعتب على بدنك إن كلَّ بعد طول المسير؛ فقد كابدتَ في ربع قرنٍ ما تنوء به الرواسي، وكنت في معترك الخطوب صابراً محتسباً.
خذ من كهف السكينة هذا ما يرمم شتات روحك، وألقِ عن كاهلك المثقل صخبَ المعارك وضجيج السياسة، وأرح قلبك في ظلال الأنس بالله؛ فما كانت الخلوةُ بعد لأواء السجون نكوصاً، بل هي هدأةُ الفارس ليداوي جراحه، وإخباتُ المؤمن الذي يفرّ من ضيق الخلق إلى سعة الخالق.
اخلُ بمصحفك ومحرابك، واسكب بين يدي ربك في سجودك كلَّ ما حبسته في صدرك من لوعة الحبس ووحشة الغربة، وتيقن أن لك في قلوب الصادقين محبةً ودعاءً لا ينقطع؛ فاسترح يا أخي برعاية الله، فإن لك رباً لا يضيع لديه مثقال حبةٍ من وجعك.
فاللهم يا جابر المنكسرين، ويا مفرّج كرب المكروبين؛ نسألك أن تلطف بعبدك عبد الرحمن، وأن تكسو بدنه الضعيف ثوبَ العافية والسلامة، وأن تملأ قلبه أمناً وراحةً بعد هول الروع وطول الاغتراب.
اللهم اجعل ما نزل به من ضيقٍ كفارةً لذنوبه ورفعةً في درجاته، واجمع شتات أمره على الهدى واليقين، وافتح له في قادم عمره أبوابَ الرشاد والتوفيق والسكينة؛ ونسألك يا كريم أن تفرّج عن كل مأسورٍ ومكروب، وأن ترد كل غائبٍ إلى أهله سالماً معافى، والحمد لله رب العالمين.
نقلا من حساب «شئون إسلامية» على منصة «إكس»


