الأمة// فتحت السلطات التركية في 21 سبتمبر 2026 موجة جديدة من التحقيقات في عمليات الحصول غير القانوني على الجنسية عبر شراء العقارات، بعدما أعلنت وزارة العدل بدء إجراءات لإلغاء جنسية 1070 شخصاً، بينهم أفراد عائلاتهم، على خلفية معاملات عقارية قالت السلطات إنها صورية أو اعتمدت على تقييمات مزورة. وتكشف القضية عن جانب أقل ظهوراً من برنامج التجنيس بالاستثمار الذي استخدمته تركيا خلال السنوات الماضية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
وقال وزير العدل التركي آقن غورلاك إن التحقيقات الأخيرة شملت مبيعات عقارية مرتبطة بثلاث شركات إنشاءات، وإن فحص معاملات 734 أجنبياً أظهر وجود 274 عملية بيع صورية. ووفق رواية الوزارة، تجاوزت قيمة المعاملات محل الاشتباه 3.5 مليارات ليرة، وبدأت إجراءات قضائية بحق 88 شخصاً، أوقف منهم 72، بينما فرضت السلطات تدابير احترازية على أكثر من ألفي عقار وفندق، إضافة إلى مركبات وحسابات مصرفية، ووُضعت 30 شركة تحت الحراسة القضائية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن القضية لا تتعلق بمخالفات فردية صغيرة، وإنما بشبكات استطاعت ـ بحسب التحقيقات الرسمية ـ استغلال نظام يتيح للأجانب الحصول على الجنسية التركية من خلال الاستثمار العقاري. وقد سبق للسلطات أن أعلنت في مرحلة أولى اكتشاف 687 حالة حصل أصحابها على الجنسية بطرق غير قانونية، ما يعني أن التحقيق الحالي يمثل توسعاً في حملة بدأت قبل أشهر.
وتبرز هنا نقطة اقتصادية مهمة؛ فالنظام الذي صُمم أصلاً لجذب الاستثمارات الأجنبية يمكن أن يتحول إلى مصدر لتضخيم أسعار العقارات إذا استُخدمت تقييمات غير حقيقية لإظهار أن المستثمر استوفى الحد المطلوب قانوناً. ولذلك فإن القضية لا تمس ملف الجنسية وحده، بل ترتبط أيضاً بمصداقية سوق العقارات وبمدى قدرة المؤسسات على مراقبة الوسطاء وشركات التقييم والمطورين.
وفي المقابل، ينبغي الفصل بين ثبوت المخالفات في الملفات التي تحقق فيها السلطات وبين تحميل جميع المستثمرين الأجانب المسؤولية. فالبيانات الرسمية تتحدث عن معاملات محددة يجري التحقيق فيها، ولا تثبت أن برنامج الجنسية برمته قائم على التلاعب.
ويأتي التحرك في وقت تحاول فيه تركيا الحفاظ على تدفق الاستثمارات الخارجية، بينما يظل القطاع العقاري أحد المجالات المهمة لجذب رؤوس الأموال. وأي تشدد واسع في مراجعة ملفات التجنيس قد يرفع مستوى التدقيق ويحسن حماية النظام من التلاعب، لكنه قد يفرض في الوقت نفسه أعباء أكبر على المستثمرين والشركات القانونية التي تتعامل مع البرنامج.
كما تثير القضية سؤالاً آخر يتعلق بالرقابة على الأموال والأصول التي دخلت البلاد عبر هذا المسار. فإجراءات التحفظ على عقارات وشركات وحسابات مصرفية تعني أن التحقيق تجاوز مجرد مراجعة أوراق الجنسية إلى تتبع شبكة مالية وأصول يُشتبه في ارتباطها بالمعاملات المخالفة.
وتستحق التطورات متابعة خاصة خلال الأسابيع المقبلة لمعرفة ما إذا كانت التحقيقات ستؤدي إلى أحكام قضائية نهائية، وما إذا كانت السلطات ستكشف أسماء الشركات والوسطاء الذين لعبوا دوراً في العمليات، وما إذا كانت ستُدخل تعديلات جديدة على نظام التجنيس بالاستثمار. فالفارق كبير بين حملة لمحاسبة شبكات محددة وبين إعادة تقييم شاملة لقواعد البرنامج.
المصادر: وزارة العدل التركية وبيانات الوزير آقن غورلاك، كما نقلتها وكالة الأناضول؛ «الجزيرة نت»، 21 سبتمبر 2026.


