عندما ننتقد عزوف الإسلاميين عن الحياة الأدبية برحابها الواسعة، في الشعر والرواية والقصة القصيرة وغيرها، فهو ليس جلدا للذات، وإنما حثا على إدراك ما غاب، وإنقاذ ما أهمل، وتصحيح مسار حضاري خاطئ، الأدب ليس مجرد هامش حضاري، ليس “تسالي”، ليس محض شغل فراغ، ليس “كمالة”، إنما هو رسالة للعالم بأن ثقافتك، مزيج دينك ولغتك وهويتك وحضارتك، تثمر هذا الفن الإنساني الراقي السامي الخالد، ألمانيا التي تسود العالم بصناعاتها المتفوقة، تعتز بذكرى أديبها العظيم “جوته” أكثر من أي مخترع صناعي فيها، بريطانيا تحتفل بذكرى “شكسبير” كرمز لسمو ثقافتها وعلو مكانتها في العالمين، وهكذا فرنسا وأمريكا واليابان والصين، وهكذا كان العرب والمسلمون في عصور مجدهم، أسماء شعرائهم وأدبائهم الكبار كانت أشهر وأبقى من أسماء ملوكهم وأمرائهم، والثقافة العالمية في مختلف الدول والممالك قديما، تعرفت على الإسلام أولا من تراث أهله الأدبي قبل أن يتعرفوا عليه من ميراثهم الديني والدعوي.
هل يمكن أن يحصى لنا أحد عشرة روائيين كبار أخرجتهم جماعة الإخوان المسلمين خلال نصف القرن الأخير، على سبيل المثال، هل يمكن أن تظهر الجماعة الإسلامية في مصر عشرة شعراء كبار أخرجتهم منذ نشأتها قبل أكثر من خمسين عاما، ناهيك عن أن تسأل السؤال نفسه للسلفيين بأجنحتهم المختلفة، هل يمكن أن تسأل السؤال نفسه للتيارات الإسلامية في السعودية أو الكويت أو دول الخليج بشكل عام أو دول المغرب العربي؟، لن تجد شيئا مع الأسف إلا ربما حالات فردية مهمشة ومهملة، وستجد أغلب الإنتاج الأدبي ورموزه هو من تيارات يسارية أو علمانية أو قومية، تعطيك الانطباع بأن مجتمعاتنا هي كذلك، رغم أن هذا ليس صحيحا.
وإذا أراد أحدهم أن يتذكر أديبا إسلاميا، فإنه سيغوص في أعماق التاريخ الحديث، من أيام الملك فاروق، ليقول لك : نعم هناك الأستاذ سيد قطب، وهناك نجيب الكيلاني، لأنه لو نظر حوله اليوم لن يجد شيئا.
الإسلاميون في حاجة إلى نهضة أدبية، تحتضن المواهب الشابة، وتدفع بها إلى الصدارة، وتعينها على اختراق الحصار الإعلامي، فهؤلاء ليسوا فقط لافتات لتيار، وإنما هم جزء من رسالة أي تيار، وربما يكون أثرهم الثقافي والروحي والوجداني أوسع وأعمق من أي داعية أو خطيب مفوه، نخسر كثيرا باستهتارنا في هذا المجال، مع الأسف.
كذلك، التعامل مع الحياة الأدبية ينبغي أن يكون بروح متسامحة، وليس بروح التصيد والقسوة واشتهاء الإدانة، وأن نستحضر دائما النصيحة التي تركها لنا سلفنا الصالح : إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته، وإلا، قل: لعل له عذرًا لا أعرفه”، أو كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا.
خاصة وأن الأدب بطبيعته، حمال أوجه أكثر من أي نص فكري أو معرفي أو ديني، لأنه يعتمد الرمز والغموض في كثير من الأحيان، ومخاطبة الوجدان وليس العقل أو العاطفة قبل العقل، وهو ما يجعل للأديب سعة في فهم مقصوده أو رمزه، وعندما يحترم أديب ـ مثل نجيب محفوظ ـ الرأي العام، ويوضح بنفسه أنه لا يقصد أبدا أي إساءة للدين، وأشرت له في مقالي أمس ـ فينبغي احترام ذلك في أخلاقه ومروءته، وقبول توضيحه، وبعده عن التبجح والعناد وهما أسهل ما يكون على من في موقعه، ولا يليق أن نتكلف الإصرار على إدانته، وننقب في ضميره وقلبه ونقول : لا ، إنما هو يقصد إهانة الدين والأنبياء، وكأننا نشتهي قذفه في الحجيم.
ونجيب محفوظ بوجه خاص، كان شخصية مسالمة جدا، سواء في الحياة الأدبية أو الفكرية أو السياسية، لا يهين أحدا، ولا يجرح مشاعر أحد، ولم يعرف عنه أي كتابات تهين الدين أو تدعو إلى الإلحاد، لا قبل رواية “أولاد حارتنا” ولا بعدها، على كثرة ما انتشر من ذلك في الحقبة التي بدأ فيها، بل كانت صداقته مع سيد قطب ـ رحمه الله ـ مما يعتز به كثيرا، ودائم الذكر له بالفضل في دعمه والكتابة عنه، بل إنه عندما أفرج عن سيد قطب من المعتقل عام 1964، وكان جميع معارفه يخشون حتى ذكر اسمه، قام نجيب بزيارته في بيته في حلوان، رغم خطورة ذلك عليه.







