في مشهد يعكس أزمة تضخم تعصف بالولايات المتحدة، تحولت الطماطم -ذلك المكون البسيط الذي كان يُعتبر رمزاً للوجبات اليومية- إلى “ملكة التضخم” التي تثير غضب المستهلكين وتلقي بظلالها على سياسات الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية.
فقد سجلت أسعار هذه “الحبوب الحمراء” قفزة هائلة بلغت 40% خلال العام الماضي، متصدرة قائمة المواد الغذائية الأكثر ارتفاعاً، ومتجاوزة زيادات القهوة (18.5%) ولحم البقر المشوي (17.8%) والمأكولات البحرية المجمدة (12%).
عندما يصبح شراء الخضار “قراراً مالياً”
في شوارع نيويورك، يعبر الطاهي إسحاق برنال كارباخو عن مرارة يشعر بها ملايين الأمريكيين: “أصبحت الطماطم رمزاً لأمر أعمق بكثير. حتى شراء الخضراوات الطازجة، وهو أمر أساسي، بات يشكل قراراً مالياً مهماً للعديد من العائلات”.
وليس كارباخو وحده في هذا الشعور. فقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو لمتسوقين غاضبين وهم يتجولون في أقسام الخضراوات، يصورون أسعاراً قفزت أربعة أضعاف، ويتوعد بعضهم بزراعة حديقته المنزلية لتجنب دفع 8 دولارات للرطل الواحد.
المزيج الكارثي: حرب إيران، رسوم جمركية، ومناخ متطرف
لكن ما الذي أشعل فتيل “جنون الطماطم”؟
الخبراء يجمعون على “مزيج كارثي” من ثلاث عوامل:
-
الحرب على إيران: أدت إلى ارتفاع حاد في أسعار البنزين وتكاليف الشحن، مما انعكس على كل شيء يصل إلى الموانئ الأمريكية.
-
الانسحاب من اتفاقية المكسيك: في يوليو الماضي، انسحبت واشنطن من اتفاقية كانت تسمح باستيراد الطماطم من المكسيك -التي تنتج معظم إمدادات أمريكا- معفاة من الرسوم الجمركية. وفرضت رسوماً جديدة بنسبة 17% على كل شحنة.
-
الظروف المناخية القاسية: التي أضرت بالمحاصيل محلياً وعالمياً.
تقول الخبيرة الاقتصادية أوشا هالي من جامعة ولاية ويتشيتا: “هذا مزيج كارثي من السياسة التجارية، والظروف المناخية القاسية، وسياسات الشرق الأوسط”.
أرقام صادمة: الرسوم الجمركية تقفز 27 ألف بالمئة!
الأرقام التي كشفتها بيانات فيدرالية تُذهل العقول: ارتفعت الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على الطماطم من 16,424 دولاراً فقط في عام 2024 إلى ما يقارب 4.6 مليون دولار، أي بزيادة هائلة بلغت 27,879%.
وقد رحب مزارعو الطماطم الأمريكيون بهذا القرار، معتبرين أنه سيساعد في إعادة بناء قطاعهم المتراجع. لكن بالنسبة للمستهلكين وأصحاب المطاعم، كان الكابوس قد بدأ للتو.
المطاعم تحت الحصار: تكلفة الطماطم تقفز من 27 إلى 93 دولاراً
لم يكن المستهلك العادي وحده من تضرر. فشركات الأغذية التي تعتمد على الطماطم كمكون أساسي وجدت نفسها في مواجهة أرقام خرافية.
واين همفري، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة “سنارف ساندويتشز” التي تدير عشرات المتاجر في كولورادو وميسوري وتكساس، يروي المعاناة: “تكلفة صناديق الطماطم ارتفعت من 27 دولاراً إلى 93 دولاراً في غضون عام واحد فقط”.
ويضيف: “يُكلفنا هذا المكون وحده الآن أكثر من 1.7 مليون دولار سنوياً كنفقات إضافية. بات من الصعب تجاهل هذه الأرقام”.
وبحسب شركة “مارجن إيدج” المتخصصة في رصد أسعار المطاعم، كانت الطماطم الكرزية الأكثر تضرراً، حيث ارتفعت بنسبة 65% خلال شهر واحد فقط.
هل هناك أمل قريب؟
في مشهد يبعث على تفاؤل حذر، يقول أستاذ إدارة سلاسل التوريد في جامعة ليهاي، فيليب كولز، إن الأسعار ستنخفض لاحقاً هذا العام مع حصاد الطماطم المحلية. ويضيف أن ارتفاع الأسعار سيحفز المزارعين على زيادة المساحات المزروعة لتلبية الطلب.
لكن حتى ذلك الحين، يبقى “جنون الطماطم” واحداً من أكثر الأزمات إيلاماً للمستهلك الأمريكي، وشاهداً على كيف يمكن لسياسات تجارية وحروب بعيدة أن تحول أبسط متع الحياة إلى كابوس يومي.


