حينما زرت تنزانيا منذ أكثر من عقد مضى، كنت أمر في الشوارع، ورأيت كنيسة ذات بناء شاهق مزخرف وآية هي من آيات العمارة التي تشبه قصور ألف ليلة وليلة، فصممت على دخولها والنظر فيها، واستأذنت الحارس فسمح لي بالدخول.
بل أتذكر حينما كنت صحفيا في بدايات حياتي وقد ذهبت إلى حزب التجمع في مقره التاريخي بـ 17 شارع قصر النيل، منطقة وسط البلد بالقاهرة لتغطية مؤتمر حاشد في قضية سياسية.
كانت لي مهمة محددة وهي تغطية المؤتمر صحفيا، ورصد كل النقاط التي تنطق بها مختلف الأطياف السياسية.
هل تدري أين أنا؟
أنا في معقل الحزب الشيوعي والأفكار اليسارية، ولقد رأيت كثيرا من وجوه رواده وزعماءه الذين سمعت منهم وهم يصيحون على المنصات، لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة.
ليس هذا هو المهم ولكن المهم، هو الحذر والترقب إن رآني بعضهم في أروقة هذا الحزب، ورصد عملية دخولي وخروجي منه، أو رآني وأنا في الكنيسة أتأمل بناءها، لا شك أن التهمة ستكون جاهزة مهما دافعت عن نفسي، وهي أنني شيوعي يساري أو نصراني متخفي، هكذا تصدر التهم المعلبة، التي يطلقها سطحيون أغبياء لا يفقهون ولا يدرون شيئا، وهم أنفسهم بعينهم وشخوصهم وسطحيتهم المهترئة، حين نسمعهم اليوم يقولون: إن جمال الدين الأفغاني كان موسونيا، ويظلون يرددون هذه الشبهة في محاولة منهم لإيهام من لا وعي لهم، بأن الرجل صهيوني التفكير، وعميل من عملاء التغريب والغزو الفكري لأمتنا.
ومن المحزن أن يردد هذه التهمة تيارات تنتسب للتدين، وهي تغط في غباوة سحيقة، حينما شبهت زعيما من زعماء الإسلام الكبار بأنه عميل مأجور.. تصور.. الرجل الذي حمل هم الإسلام على عاتقه، يسمونه بأنه العدو الأول للإسلام، فصاروا كالدبة التي قتلت صاحبها.
نعم إننا لا ننكر أن يكون جمال الدين قد دخل صفوف الماسونية وانتسب لها، وله مخطوط يدوي يطلب فيه الانضمام إليها، ولكنه لم يدخلها ليكون عميلا للغرب، وعدوا لأمته، ومساندا لأفكارها الهدامة التي لا تخدم بها إلا الاحتلال والاستعمار والصهيونية فيما بعد.
لم تكون الماسونية في ذلك الوقت قد اتضحت معالمها، وإنما كانت في بداياتها المعلنة، حركة اعتراضية قامت ضد الاقطاع وضد طغيان الكنيسة وكانت ضد تمييز الناس بعرق أو دين، ولم تكن قد اكتشفت علاقتها بالحركة الصهيونية والتي جاءت بعد وجود جمال الدين، كان جمال من عادته أن يدخل كل الجماعات والأحزاب ليطوعها لخدمة مشروعه الفكري والسياسي الإسلامي النهضوي، وقد آمل في الماسونية ذلك، فلما صار بينهم وعرض عليهم أفكاره، وطالبهم بمقاومة التدخل الأجنبي والوقوف في الاستبداد الداخلي، قالوا: له لا شأن لنا بالسياسة، فخطب في أحد محافلهم خطبة قوية، وتهكم بهم وقال: إن كانت لا علاقة لكم بالسياسة فكيف تسمون أنفسكم بالبنائين الأحرار.؟ وما عاد لكم الآن إلا بعض تمتمات تشككون الناس بها في عقائدهم، وقدم استقالته من هذه الهيئة التي انكشف لها تخاذلها.
وأنت هنا تتعجب وتضرب كفا على كف، حينما يتهم الرجل بالعمالة والخيانة في عمل ما قام به ابتداء إلا من أجل أمته وعقيدته ومشروعه النهضوي، ثم إنك تتأمل أن هذا الأمر في زمن جمال كان معلوما معروفا وعده الناس وقتها من جملة نضاله وسعيه الدؤوب في سبيل نشر أفكاره والدعوة إلى مشروعة، ولم نسمع أن أحدا من معاصريه وجه إليه هذه التهمة السخيفة التافهة البلهاء، على نحو ما وجدناها في الزمن المعاصر، وللأسف على يد إسلاميين، كان يفترض منهم أن يكون أكثر وعيا وأكثر تقديرا لزعيم من زعماء الإسلام.


