– بعض المدن تلد الرجال، وأخرى يصنعها الرجال.. والسويس، المدينة التي طالما نهشت أطرافها الحروب، لم تكن يومًا مجرد ميناء أو معبر، بل كانت دَومًا بوابةً للصبر والمقاومة.
– في يوم 27 أبريل 2021م، خرجت المدينة لتودّع أحد فرسانها الذين لا يشبهون إلا أنفسهم، رجلاً ظل يقاتل على جبهاتٍ لا تُحصى، حتى وهو في التسعين من عمره.. وقد ودّع الدنيا في اليوم السابق 26 أبريل
– اليوم، تمر 5 سنوات على ذلك المشهد المهيب، حيث شُيّعت جنازة الشيخ حافظ سلامة من المسجد الكبير بمدينة السلام، لتنطفئ شعلة جهادية استمرت 96 عاماً.
– هنا نفتح دفتر الذاكرة على سيرةٍ تُربك كل من يريد كتابة تاريخ مصر الحديث، سيرة رجل لو أنصفه الزمن، لكان أيقونةً تملأ الشاشات والكتب المدرسية، لكنه بقي، ككل المقاومين الحقيقيين، أكبر من أن يحويه قالب، وأعنَد من أن يروّض.
(حافظ علي أحمد سلامة)
الميلاد: 6 ديسمبر 1925م، السويس
الوفاة: 26 أبريل 2021م (96 سنة)، مستشفى الدمرداش (القاهرة)، ودُفِـنَ بالسويس
– شُيّعت في مثل هذا اليوم 27 أبريل 2021م، من المسجد الكبير بمدينة السلام بالسويس، جنازة أحد رموز المقاومة والجهاد الإسلامي: الشيخ حافظ سلامة..الذي رحل بعد رحلة استمرت 96 عاما، من الكفاح والجهاد والعمل الخيري.
جمعية الهداية الإسلامية
– يقول الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال حرب رمضان/ أكتوبر 1973م: (إن الشيخ حافظ سلامة رئيس جمعية الهداية الإسلامية، إمام وخطيب مسجد الشهداء، اختارته الأقدار ليؤدي دورًا رئيسيًا خلال الفترة من 23-28 أكتوبر 1973م، عندما نجحت قوات المقاومة الشعبية بالتعاون مع عناصر من القوات المسلحة في صد هجمات العدو الصهيوني وإفشال خططه من أجل احتلال المدينة الباسلة)
قائد المقاومة الشعبية
– الشيخ حافظ سلامة، بطل وقائد المقاومة الشعبية في مدينة السويس، وأحد رموز العمل الخيري، وباعث الروح المعنوية، وأحد رموز مصر على مر العصور.
– ذكر المؤرّخ العسكري جمال حماد، الشيخ حافظ سلامة في كتابه: (العمليات الحربية على الجبهة المصرية)، في حديثه عن معركة السويس، والجهود الخارقة التي قام بها قائد المقاومة الشعبية،
دعم الجهاد
– ساند ودعّم الجهاد الفلسطيني، وذهب إلى الحدود التركية السورية ليدعم الجهاد السوري ضد آل الأسد، وتقديم المساعدات للاجئين السوريين، وسافر إلى ليبيا، في 2011م، ليساند ثوارها ضد القذافي..
– دور الشيخ حافظ سلامة في مصر، لا يقل عن دور عمر المختار في ليبيا، بل يزيد، باعتراف الفريق الشاذلي، واللواء جمال حمّاد، ولكن كلمات: الجهاد، المقاومة، الفدائيون؛ تسبب (حساسية) لأنظمة الحُكم، ولذا لا تنتظر عملا فنيا يبرز دور حافظ سلامة والمجاهدين..
المجاهد الذي لم يتزوج
حفظ القرآن صغيرا، وتعلّم في الأزهر، وعمل واعظًا، وظل يتدرّج في المناصب حتى أصبح مستشارًا لشيخ الأزهر لشؤون المعاهد الأزهرية.
رفض الزواج، واتخذ من المقاومة رفيقًا لحياته،
– انتسب للعمل الخيري مبكرا، وشارك في العديد من الجمعيات الخيرية في السويس، وكان له دور اجتماعي وسياسي ونضالي بارز، حيث ساهم في دعم المقاومة، والمشاركة في العمليات الفدائية والتعبئة العامة للفدائيين.
– رفض الخروج من السويس، أثناء الحروب، والهجرة مع عائلته، ورفع شعار المقاومة، وكان يوفر نفقاته من إدارته لمحل الأقمشة الذي يمتلكه والده، ويرسل الأموال لعائلته التي هاجرت إلى القاهرة.
– كان حافظ سلامة عنيدا، لا يخاف، ويحارب على جميع الجبهات،
فلسطين
– كان يقوم بإرسال (حجارة الولّاعات) إلى الفلسطينيين، لتستخدم في صناعة القنابل اليدوية، وأيضا إرسال الأسلحة للمجاهدين الفلسطينيين، حتى انكشف أمره، وسُجن، ولم يخرج إلا بعد وساطات من قيادات سياسية تقدّر دوره التاريخي
– قال الشيخ سلامة في حواره مع جريدة الأهرام: (إيريل شارون، قام بتنفيذ الثغرة بمنطقة الدفرسوار، بعد أن كشفت الولايات المتحدة من خلال أقمارها الصناعية، وجود فجوة بين الجيشين المصريين الثاني والثالث أثناء الحرب، ودخلت القوات الإسرائيلية لتحاصر السويس، ولكن أبطال المقاومة الشعبية في ملحمة مع الجيش الثالث بالسويس، دمّروا في ثلاث ساعات: 67 دبابة)
– قال الفريق الشاذلي: إن الشيخ حافظ سلامة، رفض قرار محافظ السويس، في ذلك الوقت، باستسلام المدينة، وقام بتمزيق الراية البيضاء التي رُفعت على مبنى المحافظة…
رفض منصب محافظ السويس
– رفض الشيخ حافظ سلامة، منصب (محافظ السويس) الذي عرضه عليه الرئيس السادات، من خلال المهندس عثمان أحمد عثمان.
عدو الحكّام
– كان الشيخ حافظ سلامة عدوًّا لكل حكام مصر، فقد عارض عبد الناصر، والسادات، ومبارك، وطنطاوي، ومحمد مرسي، وكان ضد المجلس العسكري، وضد الإخوان، وضد السيسي،، ولا تعرف ماذا يريد؟ ويقف مع مَن؟ ويحارب ضد مَن؟.. ولذا نجحت الآلة الإعلامية المصرية في خداعه، وتوجيهه، بعد 2011م،،
الاختفاء
ثم اختفى تدريجيًّا من الساحة بعد 2015م،، بسبب كبر سنه، وانتهاء زمن المعارضة والمعارضين.
اللقاء
– قابلتُه في سنة 2001م، ومجموعة من الفدائيين، في حوارات صحفية طويلة، وأسرار لم تُنشر للآن، وما زلتُ أحتفظ بشرائط الكاسيت، و(ورق الدَّشت) الذي عليه تفريغ الشرائط..
– لكنّ ما ظلّ يؤرقني، ويبدو لي غريبًا ومؤلمًا في آنٍ واحد، هو ذلك السؤال الذي لم يفارقني طوال هذه السنوات: لماذا لم أحبّ الشيخ حافظ سلامة؟
لقد التقيتُ به، وحاورتُه عن قُرب، ومع ذلك لم تنشأ بيني وبينه تلك الألفة التي كنت أتوقّعها، رغم تاريخه الجهادي المضيء.. وحتى الآن، لا أملك تفسيرًا حاسمًا لهذا الشعور..
ولا أدري لماذا؟!
ربما بسبب (عصبيته)، فقد كان حادًا، جامدا كالصخر،
أتذكّر أن أحد الزملاء عاتبني حين سألني عن تفاصيل اللقاء، فقلتُ له يومها، باندفاع غير محسوب: «إنسان بلاستيك». فرَدّ عليّ بهدوء: أنت لم تعش حياة المجاهدين، ولم تدرك طبيعة تكوينهم النفسي ولا قسوة تجاربهم..
حينها استغفرتُ الله، وما زلتُ أفعل.
معذرةً يا شيخ حافظ… لم أحسن فهمك، وذلك تقصيرٌ مني..
فدقيقة واحدة من جهادك، تزن أعمارًا كاملة من أمثالي.
– اللهم اغفر له، وارحمه، واجعل كل ما قدّمه في ميزان حسناته.
اللهم اجعل له عندك زُلْفَى وحُسن مآب.
اللّهمّ اجعله رفيق النبي (صلى الله عليه وسلم) في الجنة.
—————————–







