في روايتها الأخيرة “قلب خانه يساره”، تمنحنا الكاتبة الجزائرية حكيمة جمانة جريبيع نصاً سردياً يفيض بالأسئلة، ويتنفس وجعاً، ويرتوي من ينابيع الذاكرة الحزينة، إذ تسرد الحكاية على لسان بطلةٍ أنثى، هي “ليال”، التي بدأت رحلتها مع الحياة باكتشاف الموت، حين سلب العقرب روح صديقتها الصحراوية، ثم تبعها جدها إلى دار الفناء، لتظل بعدها تواجه عقارب أخرى، أشد سمّية، في عالمٍ تصدّعت قيمه، وتناقضت مفاهيمه، فكان الألم مرآتها، وسكنها الوحيد، حتى صار قلبها الذي لا يعرف مكانه الدقيق في جسدها، مصدر داءٍ لا يُشفى، إلى أن أعلن الطبيب يوماً عن حقيقةٍ صادمة: قلبها يختبئ في الجانب الأيمن، في موضعٍ غريب لا يشبه غيره، هناك، حيث يبدأ السؤال الآخر، حيث يصير الجسد ميداناً لمعركة وجودية، ويصير القلب مرآةً تعكس تشوّه مجتمعٍ غارق في ظلامه الأقوى.
تمضي الرواية بعيداً عن المباشرة السياسية، لكنها تأخذ من الحدث السياسي خلفيةً ثقيلة، تمتد جذورها إلى الأعماق الإنسانية، وإلى شبكة العلاقات المتصدّعة في زمنٍ اختلّت فيه كل الموازين، فلا نعرف أبطالها إلا من خلال خوفهم وشكهم وفقدانهم، ومن خلال انكساراتهم التي تجعل الوضع الدامي أشبه بانهيار داخلي للكيان الإنساني، قبل أن يكون مجرّد انهيار سياسي، لقد حاول المهيمنون بالسلاح تجريد الثقافة والفن من رونقهما، وصبغهما بصبغة دينيةٍ مشوّهة، لكن البطلة وجدت نفسها أيضاً أمام حبٍ مشوه، تسلّطت عليه إرادة أم الحبيب، فانتهى قبل أن يبدأ، وغابتْ دروب الوصل، لتظل وحيدةً تبحث عن أخيها جلال الذي غاب فجأةً لسنوات، وعن أبيها البطل الذي ذهب في رحلة بحثٍ عنه، ليُغتال في شارع باب الواد بانفجار سيارة مفخخة، ويُدفن في مجهول، دون قبرٍ يُذكر، بعدما دافع عن أرضه، وأعطته الحرية قطعاً من جسده وذاكرته.
كل هذه الانكسارات أثقلت قلبها الذي لا يعرف له جغرافياً مكاناً ثابتاً، لكن الوجع عرف له وطناً في موسم خريفٍ طويل، حاصرها حتى السقوط، ثم حملتها الأقدار رغماً عنها إلى فرنسا للعلاج، هناك، حيث قرر الأطباء تحويل قلبها إلى اليمين، لتصبح دميةً متحركةً بقلبٍ معوّلَم، لكنها تعيش حاضرها بذاكرةٍ حزينةٍ وروحٍ شامخة.
يُذكر أن الكاتبة حكيمة جمانة جريبيع، ابنة مدينة عين امليلة بالشرق الجزائري، درست الأدب العربي في جامعة قسطنطينة، ثم أتمت دراساتها العليا في النقد الحديث خارج الوطن، واشتغلت بالتدريس والصحافة، ونالت جوائز محلية ودولية في السرد والشعر، وصدر لها ثلاث مجموعات قصصية وثلاث روايات، كان آخرها هذا العمل المتفرد، إلى جانب إسهاماتها في عدد من الكتب المشتركة.


