شهدت ليبيا خلال الأسابيع الماضية تصعيداً أمنياً غير مسبوق في مداهمة أماكن إيواء المهاجرين غير النظاميين وترحيلهم، وسط مخاوف حقوقية متصاعدة من أوضاع كارثية في مراكز الاحتجاج، بالتزامن مع حوادث غرق مروعة في البحر المتوسط أوقعت مئات القتلى والمفقودين منذ مطلع العام.
تكدس خانق في مراكز الاحتجاز.. أعمال شغب ومخاوف من كارثة إنسانية
كشف الحقوقي الليبي طارق لملوم، المعني بملف المهاجرين واللاجئين، عن تفاصيل مقلقة بشأن مركز احتجاز المهاجرين في منطقة تاجوراء، حيث شهد فجر الاثنين أعمال شغب ومحاولة إشعال حريق نتيجة التكدس الشديد والظروف القاسية. وأوضح لملوم أن حملات التوقيف الواسعة والمكثفة التي تنفذها أجهزة أمنية متعددة تسببت في ارتفاع أعداد المحتجزين داخل المركز إلى نحو ألفي شخص، وسط غياب تام لآليات الفرز والتسجيل أو تقييم الأوضاع القانونية للموقوفين قبل إيداعهم الاحتجاز. وحذّر من أن استمرار هذا الوضع ينذر بمخاطر أمنية وإنسانية وشيكة، مع احتمالية تكرار تجارب سابقة أسفرت عن استخدام القوة المفرطة وإطلاق النار داخل مراكز الإيواء.
بئر الغنم.. جحيم يضم مئات المهاجرين بينهم قصر
في سياق متصل، يعاني مركز إيواء المهاجرين في “بئر الغنم” جنوب غربي العاصمة طرابلس من تكدس مماثل، خصوصاً بين القصر. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن المركز يحتجز نحو 600 مهاجر من جنسيات متنوعة، بينهم رجال ونساء وأطفال. وتصف تقارير حقوقية الأوضاع هناك بـ”الجحيم”، مع ممارسات تشمل التعذيب والجوع والابتزاز.
حملة شرق ليبيا.. اعتقال المئات وترحيل جماعي
في شرق ليبيا، شنت السلطات حملة أمنية واسعة بقيادة صدام حفتر، نجل القائد العسكري خليفة حفتر، الذي وجّه بـ”الانضباط والمهنية” في التعامل مع المهاجرين المخالفين. وأسفرت الحملة عن اعتقال 811 مهاجراً في بنغازي، ونحو 1,400 مهاجر في طبرق والمناطق الشرقية. كما أعلنت سلطات شرق ليبيا ترحيل 700 سوداني إلى بلادهم.
ترحيل مكثف بوتيرة متسارعة
تواصل السلطات في غرب وشرق ليبيا عمليات الترحيل المكثفة. ففي طرابلس، رحّل جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية 14 مهاجراً مصرياً عبر مطار معيتيقة، فيما أعلن فرع البطنان ترحيل 562 مهاجراً. وعلى الصعيد الدولي، أعادت ليبيا 369 مهاجراً إلى نيجيريا ومالي، بينما تم ترحيل 112 مهاجراً من جنسيات سودانية وبنغلاديشية وباكستانية. وكشف جهاز مكافحة الهجرة عن إعادة أكثر من 37 ألف مهاجر غير شرعي إلى بلدانهم خلال عام 2025.
موجة غرق مروعة.. أكثر من 480 قتيلاً ومفقوداً منذ مطلع 2026
شهد البحر المتوسط مآسي إنسانية متكررة؛ إذ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة غرق قارب قبالة سواحل ليبيا في 6 فبراير الماضي، مما أسفر عن مصرع وفقدان 53 مهاجراً، بينهم رضيعان. ورفع هذا الحادث عدد ضحايا هذا الطريق في عام 2026 إلى 484 على الأقل. كما حذّرت المنظمة من مخاوف بفقدان أو وفاة أكثر من 180 شخصاً في حوادث غرق متتالية، مع اقتراب الحصيلة الإجمالية من ألف حالة. وفي حادثة أخرى، فُقد أكثر من 80 مهاجراً بعد انقلاب قاربهم قبالة سواحل تاجوراء. وفي يناير الماضي، اكتشفت السلطات مقبرة جماعية في اجدابيا تضم 21 جثة لمهاجرين تعرضوا للتعذيب.
أرقام صادمة عن حجم المهاجرين في ليبيا
وفقاً لتقرير المنظمة الدولية للهجرة الصادر في مايو 2026، بلغ عدد المهاجرين في ليبيا 936,134 مهاجراً، ينتمون أساساً إلى السودان (36%) والنيجر (20%) ومصر (19%) وتشاد (9%). ويعاني 84% منهم من نقص الوثائق القانونية.
انتقادات دولية وحقوقية حادة
في فبراير 2026، أصدرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومفوضية حقوق الإنسان تقريراً مشتركاً وصف أوضاع المهاجرين بـ”الواقع الوحشي”، موثقة انتهاكات تشمل الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب والاستغلال الجنسي. ودعت الأمم المتحدة السلطات الليبية والاتحاد الأوروبي إلى إصلاحات عاجلة ووقف عمليات الاعتراض في البحر.







