ولذلك نجده يحمل حملات شعواء على بعض الفهوم التي يحاول المستشرقون إدخالها في ميدان التفسير، بغرض التشويش على النص القرآني والحيلولة بين قارئه وبين الفهم الصحيح له.
من ذلك ما أورده في تفسيره لسورة يونس، حين قال: ومن المضحك أن أحد سماسرة الفكر الاستشراقي، زعم أن الأسلوب المكي عاطفي، وأن المدني عقلاني، لأنه تأثر بالجو العلمي عند أهل الكتاب.
فلما أراد الاستدلال على المنطق العلمي للقرآن المدني جاء بآية مما نزل بمكة المكرمة، جاء بقوله تعالي (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الانبياء 22]، فانظر إلى هذا الطمس….
إن الغزالي، وهو يفسر كلام الله – عز وجل – ويشرح مراده منه، يعمل ما وسعه على أن يكون المعنى المفهوم من النص القرآني، متطابقا مع مألوف العرب في الخطاب، ومتناغما مع المجتمع الذي نزل فيه القرآن والمشكلات الحضارية والاجتماعية التي عالجها.”.
كما يستنكر الغزالي قول بعض المستشرقين بأن القرآن مأخوذ من المواريث الدينية التي آلت إلي اليهود والنصاري، مستهدفين من وراء ذلك التشويش على صحة نزول الوحي علي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيقول: ” لقد انفرد القرآن بنسق لم يعهد في غيره من الكتب، فكيف يزعم زاعم أنه مأخوذ مما قيل من قبل؟ إن الأقوى لا يأخذ من الأضعف، والمكثر لا يأخذ من المقل، وقارون لا يأخذ ماله من بائع خبز في دكان مهجور.
والمستشرقون الذين يرددون هذا اللغو يهرفون بما لا يعرفون، ويبعثوننا على السخرية منهم”.
ويطالب الغزالي هؤلاء المستشرقين ومن على شاكلتهم ببعض الإنصاف في نظرتهم للتاريخ الإسلامي على مر العصور، والمقارنة بين سماحة الإسلام وتعصب غيرهم.
فيقول: “وددت لو أن لجنة من المحايدين العقلاء نظرت في العلاقة بين الشرق والغرب علي امتداد التاريخ الماضي والمعاصر، وكشفت عن مثيري الحروب الدامية بينهما، خصوصا المدة من زحف الرومان على العالم، ووقوع غرب آسيا وشمال إفريقية في أيديهم.
أكان الاسلام معتديا حين حرر هذه الأقطار من براثنهم؟ ثم عاود أبناؤهم وأشياعهم الهجوم في الحروب الصليبية الأولى، فرُدٌوا على أعقابهم بعد مئات السنين من الكر والفر.
ثم عادوا في العصر الحديث بدءا من هجوم نابليون على مصر، وموسوليني على ليبيا والحبشة، وتأليفه وزارة للمستعمرات الإسلامية، ثم اجتاح الفرنسيون دول المغرب كلها، واجتاح الإنكليز وادي النيل.
وسقطت القارة الإسلامية في يد أهل الكتاب، فهل نحن المعتدون في هذه الحروب الآثمة؟
واليوم تسعى جماهير المسلمين إلى العيش بدينها فيحرمون منه، وتكال لهم التهم، فأين الإنصاف في هذا المسلك؟”.
ويفرد الغزالي – رحمه الله – في تفسيره لسورة التوبة الكلام للرد على بعض المستشرقين الذين يتهمون الإسلام بأنه شن حربا هجومية على الكفار عامة، وأن الإسلام دين سفك الدماء والأشلاء فيقول: “ويظهر أن الذين فهموا أن السورة إعلان حرب عامة على الكفر نظروا إلى القتال الذي وقع في مصر والشام والعراق بعد ذلك، وامتد حتى قضى علي دولة الفرس، وقصم دولة الروم…
وهذا فهم خاطئ كان له مساغ لو أن المسلمين وجهوا جيوشهم إلى رومة والمدائن مباشرة.
ولكن هذه الامبراطوريات الباغية كانت تحتل أراضي ليست لها، وتستذل جماهير مغلوبة على أمرها.
فدارت الحروب معها على تحرير الأراضي والشعوب ومنع الاستغلال والاستذلال.
وعرض الإسلام بعد ذلك على الشعوب المحررة التي سرعان ما رغبت فيه وذادت عنه.
إن سورة براءة بريئة من التحريض على العدوان وتشريع الحرب الهجومية على الأبرياء والمسالمين..”.
والمستشرقون لا يفتأون يبحثون في القرآن عن المطاعن والمثالب، وكان الغزالي رحمه الله لهم بالمرصاد، فحاولوا الطعن في بعض القضايا الخاصة ببيت النبوة. فـ “بعض المستشرقين استنكر على الوحي الإلهي أن يعنى بنزاع ثار في بيت محمد، وأن يشغل الناس به.
وقد سرد الدكتور محمد حسين هيكل الشبهة ثم قال: أليست القصة أولى بالذكر مما أورده الكتاب المقدس عن زني لوط بابنتيه بعدما أسكرتاه وأفقدتاه الوعي؟
ونقول نحن: أوليست أولى بالذكر من زنى أحد الأنبياء بامرأة ابنه، والثمن الذي دفعه في هذه الفعلة الشنعاء.. إن المستشرقين يلمحون القشة في عيون الآخرين ولا يحسون الخشبة في عيونهم.
ولله في خلقه شئون”.


