مسألة “السنة القبلية لصلاة الجمعة” من المسائل الفقهية الشائكة والمتشابكة، التي تعددت حولها مناهج الاستنباط والتوجيه، ويكمن اصل المسألة في البحث عن مدى ثبوت تطوعٍ راجحٍ ينشغل به المكلف قبل صلاة الجمعة، وينتظم مع دخول وقتها، ولا سيما بعد النداء الذي يسبق الخطبة وإقامة الصلاة.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية، وهو وجهٌ معتبر عند الحنابلة، إلى مشروعية واستحباب الصلاة قبل الجمعة بوصفها سنةً قبلية، بينما ذهب آخرون إلى أنها ليست سنةً راتبة بخصوصها وإنما هي نافلةٌ مطلقة، وتهدف هذه الدراسة إلى تأصيل مشروعية واستحباب هذه الصلاة بالاستناد إلى الأدلة الشرعية المعتبرة من السنة النبوية الصحيحة، وآثار الصحابة رضوان الله عليهم، والقواعد الأصولية والمرجحات الفقهية.
التكييف الفقهي لمفهوم “السنة القبلية”
قبل الخوض في استعراض الأدلة، يتوجب تحديد مراد الفقهاء بالسنة القبلية للجمعة وتوضيح وجه الصلاة المطلوبة:
الجهة الأولى (السنة الراتبة أو المحدودة): هي صلاة ركعتين أو أربع ركعات تُصلى بعد دخول الوقت (سواء بعد الأذان الأول الذي أحدثه أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، أو بعد دخول الوقت، وقبل صعود الإمام على المنبر)، وتكون ملحقةً بالجمعة الحاقَ الركعتين القبلبتين بصلاة الظهر.
الجهة الثانية (النفل المطلق والتبكير): هي ما يُشرع للمسلم أن ينشغل به من الصلاة والذكر بمجرد دخوله المسجد يوم الجمعة إلى أن يخرج الإمام للخطبة، دون تقييدٍ جازم بعددٍ محدد من الركعات لا يُزاد عليه ولا يُنقص.
والاتفاق حاصلٌ بين عامة أهل العلم على مشروعية أصل التنفل بالصلاة قبل الجمعة، وإنما وقع الخلاف في وصفها سنةً راتبةً بخصوصها كراتبة الظهر. وسنوضح فيما يلي الأدلة التي تعضد القول بمشروعيتها واستحبابها على كلا الوجهين.
الأدلة من السنة النبوية المطهرة
استدل القائلون بمشروعية واستحباب السنة القبلية للجمعة بأحاديث صحيحة ثابته في أمهات كتب السنة، وتتنزل دلالاتها بين النصوص الخاصة بالنفل قبل الجمعة والنصوص العامة القاضية بالصلاة بين النداءين:
1- الاستدلال بالعموم المتناول لجميع الصلوات المكتوبة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ – ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ -: لِمَنْ شَاءَ»
(رواه البخاري رقم: 627، ومسلم رقم: 838).
وجه الاستدلال:
إن لفظ «أَذَانَيْنِ» في لسان الشرع وفي عرف الفقهاء يُطلق على الأذان والإقامة من باب التغليب. وصلاة الجمعة فريضةٌ ينادى لها بأذانٍ وتُقام بإقامة، فيشملها هذا العموم الشامل لكل صلاةٍ مكتوبة. ومقتضى هذا النص الثابت استحباب التنفل بالصلاة للفصل بين النداء وإقامة الصلاة. وسواء أُخذ الأذان الأول الذي زاده عثمان رضي الله عنه أو الأذان الذي يكون بين يدي الإمام، فإن أصل مشروعية التنفل بين النداءين ثابتٌ بالمطابقة والإشارة.
2- الترغيب الصريح في التنفل المقدر قبل خروج الإمام
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«مَنِ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ مَعَهُ؛ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»
(رواه مسلم في صحيحه رقم: 857).
وجه الاستدلال:
قوله صلى الله عليه وسلم: «فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ» نصٌّ صريحٌ في ندب واستحباب الصلاة قبل الجمعة وقبل صعود الإمام على المنبر. فالشارع علّق ترتيب المغفرة والعفو عن الذنوب على الجمع بين الغسل، والتنفل بحسب ما يُقدر للمصلي، ثم الإنصات للخطبة. وهذا يدل دلالةً قاطعة على أن الصلاة الواقعة قبل الخطبة صلاةٌ معتبرةٌ شرعاً ومحبوبةٌ لله تعالى.
3- القياس الجلي على صلاة الظهر
إن صلاة الجمعة هي البديل الشرعي عن صلاة الظهر في يومها بالنسبة للمكلفين بها؛ ولذا تشترك الجمعة مع الظهر في جل الأحكام، كالوقت، واشتراط الطهارة، والستر، وغيرها من الشروط والأركان.
وجه القياس:
ثبت بالنصوص الصحيحة المستفيضة أن لصلاة الظهر سنةً قبلية وهي ركعتان أو أربع ركعات، جاء فى فتح القدير للكمال بن الهمام 1/433: “ذكر الإمام أحمد عن عبد الله بن السائب «أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس وقال إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح» وعندنا هذا اللفظ لا ينفي كونها هي السنة، وقد صرح بعض مشايخنا بالاستدلال بعين هذا الحديث على أن سنة الجمعة كالظهر لعدم الفصل فيه بين الظهر والجمعة”
قال الشيخ زكريا الأنصارى فى الغرر البهية1/396: «الجمعة كالظهر؛ فكما يُندب قبل الظهر أربع ركعات، يُندب قبل الجمعة أربع ركعات». فالجامع بينهما هو إعداد النفس للفريضة وتهيئة الجوارح للخشوع، ورفع الدرجات بالتقرب للنوافل قبل الفرائض.
الأدلة من آثار الصحابة والتابعين (السنة العملية)
لم تكن مشروعية الصلاة قبل الجمعة مجرد استنباطٍ نظري، بل كانت واقعاً عملياً مشهوداً في عصر الصحابة والتابعين، وهو ما يُعرف بالسنة التقريرية والآثار الموقوفة التي لها حكم الرفع أو العَضُد للأدلة العامة:
1- فعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِك»
(رواه أبو داود في سننه رقم: 1128، وصححه ابن حبان وابن خزيمة).
الدلالة:
في هذا الحديث يقرن ابن عمر رضي الله عنهما بين فعله وبين مرفوعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ مما يدل على أن أصل إطالة الصلاة والتنفل قبل الجمعة كان مستقراً عندهم ومتلقىً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- هدي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعاً، وَبَعْدَهَا أَرْبَعاً»
(رواه عبد الرزاق في المصنف رقم: 5525، والطبراني فى الكبير«9551» والترمذي في سننه رقم: 523.).
الدلالة:
أمر ابن مسعود رضي الله عنه بصلاة أربع ركعات قبل الجمعة يدل على تحديد المقدار المستحب عندهم، وهو ما أخذ به الإمام أبو حنيفة وأصحابه والإمام الشافعي، حيث نصوا على أن الأفضل قبل الجمعة صلاة أربع ركعات بتسليمتين أو تسليمة واحدة.
3- الأذان الأول في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه
ثبت في صحيح البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه أن الأذان الأول زادَه عثمان رضي الله عنه لما كَثُر الناس بالمدينة.
الدلالة الفقهية:
سعى الصحابة رضوان الله عليهم من خلال هذا الأذان إلى تنبيه الناس وتفريغهم للاستعداد للجمعة والحضور إلى المسجد. وقد استقر عمل المسلمين منذ عهد الخلفاء الراشدين على الصلاة والتنفل بين هذا الأذان وبين صعود الإمام، ولم يُنكر أحدٌ من الصحابة الصلاة في هذا الوقت، فصار ذلك بمثابة الإجماع السكوتي على مشروعية الصلاة عقب هذا النداء.
القواعد الأصولية والفقهية المؤيدة للمشروعية
تتضافر القواعد الأصولية والفقهية على تقرير مشروعية هذه الصلاة ونفي صفة البدعية عنها عبر الأحكام التالية:
القاعدة الأولى: «الأصل في العبادات والمواقف النفلية الإباحة والاستحباب ما لم يرد نهي»
لم يثبت نهيٌ صريح عن الصلاة قبل الجمعة، بل ورد الترغيب الصريح بقوله صلى الله عليه وسلم: (فصلّى ما قُدّر له)، فالأصل بقاء الطلب والاستحباب وعدم حظر الصلاة في هذا الوقت.
القاعدة الثانية: «ما كان له أصلٌ في الشرع فلا يُسمى بدعة»
البدعة المذمومة هي ما أُحدث على غير مثالٍ سابق ولا دليل يخصه أو يعضده. والسنة القبلية تندرج تحت أدلة تحية المسجد، والنفل المطلق، والصلاة بين الأذانين.
القاعدة الثالثة: «استثناء يوم الجمعة من أوقات الكراهة»
ذهب الشافعية وجماعة من السلف إلى أن وقت الاستواء (عند منتصف النهار) تُكره فيه الصلاة في جميع الأيام إلا يوم الجمعة؛ وذلك للترغيب بالتبكير والتنفل فيه والتأهب للخطبة.
مناقشة الشبهات والرد عليها
قد يطرح بعض الباحثين بعض الاعتراضات حول المسألة، ويحسن إيرادها ومناقشتها بالمنهج العلمي الفقهي:
الاعتراض الأول: «كان النبي ﷺ يخرج فيصعد المنبر فيؤذن المؤذن ثم يبدأ بالخطبة، فلم يكن هناك وقتٌ لصلاتهم سنة قبلية»
الجواب:
إن عدم نقل صلاةٍ محددة بعد الأذان الذي يلي صعود المنبر مباشرة لا ينفي وجود الصلاة قبله؛ فقد كان المسلمون يسبقون إلى المسجد فيصلون ما قُدّر لهم قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم، كما بيّنت الأحاديث. بالإضافة إلى أن الأذان الأول الذي استقرت عليه الأمة في عهد عثمان رضي الله عنه أفسح المجال وأوجد الوقت المعين لافتتاح الصلاة والتطوع قبل الجمعة.
الاعتراض الثاني: «إنها ليست سنة راتبة ذات عددٍ محدد كالظهر»
الجواب:
حتى لو قيل بعدم التحديد الصارم لعدد ركعاتها كسنن الرواتب المحض، فإن النزاع لفظي؛ إذ المتقرر عند الكافة هو استحباب الصلاة والتقرب بها قبل الجمعة. فمن صلاها ركعتين أو أربعاً أو أكثر بنية التنفل والتقرب، فقد أصاب السنة وأخذ بالأجر المرتب على حديث أبي هريرة رضي الله عنه في مسلم.
والخلاصة
صلاة السنة قبل صلاة الجمعة (السنة القبلية) صلاةٌ مشروعةٌ ومستحبةٌ يثاب فاعلها ولا يُعاب تاركها. ويتلخص التأصيل الشرعي في النقاط التالية:
شمول عموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» لصلاة الجمعة وأذانها.
ثبوت النص الصريح في صحيح مسلم بالحث على الصلاة قبل الخطبة: «فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ».
قياس الجمعة على الظهر في أصل مشروعية التنفل القبلي والبعدي.
ثبوت ذلك عن أعلام الصحابة كعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم.
استقرار عمل الخلفاء الراشدين والأمة من بعدهم على جعل الأذان الأول فرصةً للتنفل والاستعداد للجمعة.
وبناءً عليه، فإن أداء الركعات قبل الجمعة يُعدّ مسلكاً فقهياً راجحاً له أصوله وثوابته من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح.







