خامسا: توظيف فقه الواقع الإنساني:
لقد اهتم الغزالي بواقع المسلمين اهتماما بالغا، بل اهتم بالواقع العالمي ككل، فكان ابن وقته عالما بزمانه، غير منفصل عنه، فكان الواقع وفقهه، عن طريق المعايشة والاطلاع، سواء كان واقع المسلمين أو واقع القوى المعادية لهم، الواقع المحلي «المصري»، و«الواقع الإقليمي العربي»، و«الواقع الإسلامي» «واقع البلاد الإسلامية»، و«الواقع الدولي»، خارج عالم الإسلام.
هذا الواقع، كتاب مفتوح لدى الشيخ، يقرأ سطوره وما بين سطوره ويتدبر أحداثه، ويتعلم منها ويعلم، ويوظفها في نصرة دعوته وتحقيق حقا صدها.
لا يهتم في الواقع بالجانب المادي أو الحسي فيه، مغفلا الجوانب الأخرى، بل اهتمامه -مع ذلك- مركوز على ما وراء المادي والحسي، من الأفكار والأخلاق، والعقائد والتقاليد، فهي التي تصنع الإنسان والمجتمعات، وتميز بعضها عن بعض”.
والحق أن كل مؤلفات الغزالي، وسائر بحوثه، هي دراسات في إطار ما يمكن أن نسميه “فقه الواقع”، فالرجل مهموم بهذا الواقع وراغب في تغييره، ومدرك للقوى والجهات الخفية والظاهرة التي تحركه وتوجه نتائجه. لذلك لم يكن غريبا أن نجد الشيخ يوظف فقهه للواقع في التفسير، ما دام يقصد من هذا التفسير تغيير هذا الواقع.
من ذلك ما أورده عند تفسيره لسورة الفتح في إحدى خطبه، بمسجد عمرو بن العاص، سنة 1973، حيث قال مبررا اختياره لتفسير هذه السورة: لقد اخترت أن أفسر سورة الفتح، لأن هناك تشابه بين المؤمنين قديما، في أحوالهم وما يحيط بهم من منافقين وكافرين وبين المؤمنين في هذا العصر.
والواقع أن العالم العربي والإسلامي، تتنازعه الآن ثلاث قوى رئيسية: قوة ترفض الإسلام علنا، وتستميت في أن تحكم الأمة العربية والإسلامية حكما علمانيا كما يقولون، وقوة أخرى، تريد أن تعود بالمسلمين إلى ماضيهم الأول وكتابهم الكريم، وسنتهم المطهرة، لا تنزل عن آية من الآيات ولا تترخص في حديث من الأحاديث. وهناك قوة ثالثة، لا تريد أن تكون لا من هؤلاء ولا من أولئك، تريد أن تنتسب إلى الإسلام، ولكنها تريد أن تتخير من أحكامه أحكاما تنفذها وأحكاما تتركها، عبادات تقوم بها، وعبادات تنأى عنها.. والصراع قائم بين القوى الثلاث..
وألفت النظر إلى أن القوة الأولى لو نجحت وتحول العالم العربي والإسلامي إلى الإلحاد والمادية، فمعنى ذلك أنه انتحر وأهيل التراب على جثمانه وانتهى تاريخه.. أما القوة الثالثة التي تريد أن تأخذ بعضا من الإيمان وتترك بعضا، وتنتسب إليه انتسابا ولكنها لا توفي له الوفاء الواجب، فسوف تؤخر الأمة الإسلامية عن بلوغ أهدافها وعن غسل العار الذي نزل بها. ولن تنجو أمتنا أو تنجح إلا يوم تكون أزمتها في يد المؤمنين الذين يريدون الإسلام كله شكلا وموضوعا، وعنوانا وحقيقة”.
فالغزالي يدرك جيدا طبيعة القوى التي تتصارع في طول العالم الإسلامي وعرضه، ويدرك جيدا كذلك ما يمكن أن ينتهي إليه حال الأمة إذا آلت السيطرة عليها إلى واحدة من هذه القوى.
ويستغل الغزالي فقهه لواقع الأمة في تفسير كتاب الله -عز وجل- بمقايسة هذا الواقع إلى واقع الدعوة الإسلامية يوم كان ينزل القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم- يرشد هذه الدعوة ويرسم سبيلها.
ومن توظيفه لفقه الواقع الإنساني في التفسير، ما عرضه من أنواع الكفر المختلفة ومظاهرها قديما وحديثا، وكيف تمارس تأثيرها في عالم الناس في عصرنا الحاضر، وذلك عند تفسيره لسورة محمد في إحدى خطبه، إذ يقول تعليقا على قوله تعالى: (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ) (محمد:1): “للكفر صور كثيرة، أولها: إنكار الألوهية أصلا، كما يفعل الماديون والشيوعيون وناس كثيرون ممن انتشروا في قارات الأرض الآن، لا يعرفون إلا ما يعرفه سفلة الأعراب قديما، عندما كان أحدهم يقول: إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر، تحول هذا إلى فلسفة عامة، ودول مسلمة، ومذاهب تدعي المعرفة وتنطلق باسمها أبواق ودعايات وإعلام وصحف إلى غير ذلك، هذا نوع من الكفر.
هناك كفر آخر، يؤمن بالله، ولكن يراه جسدا، يمكن في نظره أن الله يجهل فلا يدري ما يقع، أو يندم على شيء صنعه، لأنه لا يعرف عاقبته، أو يأكل مع الناس، أو يتصارع مع بعض عباده، وهذا الكفر هو دين اليهودية الآن، وما ذكرته عنهم هو تلخيص لما ورد في العهد القديم أو فى سفر التكوين بالذات.
ثم هناك كفر آخر، ناس تدعي أن لله ابنا أو بنتا أو صاحبة، أو أنه ابن لشخص آخر، أو ما إلى ذلك مما لا أصل له، وقد اشترك في هذا وثنيو العرب ونصارى العالم، والقرآن الكريم حاسم : (مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ) (المؤمنون: 91، 92)، سبحان الله وتعالى : أي تنزه وترفع عن أن يكون له ولد، أو أن يكون ولدا لأب، أو ما إلى ذلك مما يقول الأفاكون وإن كثرت جيوشهم وكثرت المخترعات الفتاكة بين أيديهم، فإن شيئا من هذا لا يحول الضلال إلى حق.
هناك كفر آخر، أن يعبد بعض الناس أصناما أو عناصر من الأرض يظنون أن الله حل فيها، أو جعلها مظهرا له، كما يفعل الهنادك في الهند، أو كما يفعل البوذيون في جنوب آسيا وشرقها. وهناك كفر معروف أيضا، وهو أن يؤمن أحد الناس بالله كما يزعم، ولكنه يرفض طاعته والانقياد لأمره ونهيه، ويجادل في الأحكام التي جاءت من عنده، ولعله يتهمها بالرجعية وبالقسوة، أو بأن الفرائض تعطل الإنتاج أو ما إلى ذلك مما يقوله كفار في البلاد العربية في عصرها الحديث.
وأعتقد أنه مما يدخل في باب الكفر، إنكار السنة جملة وتفصيلا، وهو ما حمل رايته الآن بعض العسكر الذين يحكمون أجزاء من العالم الإسلامي”.
فالغزالي محيط بأنواع الكفر المختلفة التي تسود العالم، ويعرف جيداً أيها يمارس تأثيره على العالم الإسلامي ويزيد من بلائه وعذاب أبنائه، ولذلك هو يفرق بين أنواع الكفر من جهة محدودية التأثير، فيقول: “قد يكون الكفر مرضا فتك بصاحبه، فانزوى به وعاش في سوأته، وانتهى أمره على هذا النحو. هذا كفر ضرره محدود، وإن كان كفرا.. لكن هناك كفارا يرون أن ينقلوا الظلمة التي في قلوبهم إلى قلوب الآخرين.. بل قرروا أن يعترضوا السائرين على الطريق المستقيم.. وهؤلاء هم الذين سماهم القرآن في سوره كلها، “الصادين على سبيل الله”.. هذا الكفر المزدوج المقرون بالصد عن سبيل الله هو ما شكا المؤمنون منه قديما وحديثا، وهو ما أعلن القرآن عليه حربا شعواء: (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا (167) إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا) (النساء: 167، 169).


