في لحظة يفترض أنها كاشفة للعدو الحقيقي، ومُحفّزة لوحدة الموقف، نجد العالم العربي منقسمًا على نفسه، لا حول حدث هامشي، بل حول حرب تهزّ الإقليم بأكمله، وتكاد تعيد رسم خرائط جديدة له بالنار.
هناك سؤال يفرض نفسه بحدة: هل تتحرك إيران وفق مشروعها الخاص، أم أنها —بوعي أو بدون وعي— تنفّذ جزءًا من مخطط أكبر يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في تفجير المنطقة؟ وهل الصراع فعلًا صراع كسر عظم، أم إدارة فوضى محسوبة؟
من «عليّ وعلى أعدائي» إلى «عليّ وعلى جيراني»!
كتب الكاتب الكويتي الدكتور محمد العوضي بوستا مهما للغاية.. وبقدر استفزازه لي أثار حفيظتي كما أثار تساؤلاتي كذلك.. ان إيران في الحروب التقليدية، حتى أكثرها دموية، كان هناك منطق — ولو مشوّه — يوجّه السلوك: استهداف العدو.
لكن ما نشهده اليوم يتجاوز هذا المنطق إلى حالة أقرب لما قاله شمشون ويسقط العوضي في هذا الاقتباس على شخص ترامب: “عليّ وعلى أعدائي”، مع فارق خطير، معلقا ومستنكرا ومقررا ان المشهد الحالي يبدو وكأنه تحوّل إلى: “عليّ وعلى جيراني!”
العوضي تعمد عدم الإجابة على سؤال: لماذا تحولت السردية الإيرانية المطروحة بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت مدنية حيوية بعدما هرب الأمريكان من قواعدهم المعروفة للعيان.. واستبدلوها بمحطات مياه، كهرباء، مطارات، مصافي، أي البنية التي تقوم عليها حياة الشعوب الجارة وليس الجيوش المعتدية..
ويضيف العوضي متسائلا: هل هذا سلوك دولة في حرب، أم سلوك مشروع فوضى؟
تجاهل العوضي الإجابة بان الاقتصاد عصب السياسية التي قادت أمريكا للحرب على ايران.. ومصادر القوة الاقتصادية لأمريكا ليست فقط في واشنطن بل في الدول الجارة كذلك.. يعني ايران لما تضرب فرعا لشركة أمازون الأمريكية، فهي تعني بضرب هذه القوة، وسيحدث خللا وضغطا في المنطقة يعززه تحكم ايران في مضيق هرمز لإرسال رسالة للدول الجارة والعالم: ان المنطقة هتولع لأنها تدور في الفلك الأمريكي.
لماذا لا يثق الشارع العربي في إيران؟
اتفق مع العوضي فيما كتبه عن بعض أسباب تفهمه للانقسام العربي، وأنه لا يكفي النظر إلى الحاضر فقط، بل لابد من استدعاء الذاكرة القريبة:
– في سوريا: مشاهد الدمار الواسع، والبراميل، والتهجير.
– في اليمن: حرب استنزفت الدولة والمجتمع عبر وكلاء.
– في العراق ولبنان: حضور ميليشياوي معقّد، أعاد الحديث عن تشكيل التوازنات على أسس طائفية وسياسية حادة.
هذه الذاكرة ليست تفصيلًا، بل هي ما يفسّر لماذا لم تحصد إيران تعاطفًا عربيًا واسعًا حتى وهي في مواجهة مع إسرائيل، بل على العكس، برز شعار صادم في بساطته ومرير في دلالته: “اللهم اهلك الظالمين بالظالمين واخرجنا من بين أيديهم سالمين”..
وهو شعار لا يعكس حيادًا، بل فقدان ثقة في جميع الأطراف المعتدي والمعتدى عليه.. وغاب عن العوضي ان الأغلب عن الفاهمين لمجريات الاحداث يأخذون على ايران المعتدى عليها أشياء ارتكبتها ولكن واجب الوقت يقتضي مساندة المعتدى عليه لاعتبارات تتعلق بالدين والحضارة واللحظة الفارقة التي تمر بها المنطقة.
وغاب ايضا على العوضي انه كان يجب ان يطرح سؤالا آخر في المقابل: وهل الشارع العربي يثق في الولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل الثقة التي منحت إياها على مدار تاريخ نشأتها منحتها الاستقرار الذي تنشده؟ ولو كانت هذه الثقة محل اعتبار لقادة المنطقة.. لماذا كانت المطالبات الخليجية وغيرها بتدمير ايران وتركيعها حتى لا تقوم لها قائمة؟!
هل تُخدم الفوضى مصالح واشنطن؟
هنا نعود للسؤال الأخطر: هل ما يحدث يخدم — بشكل مباشر أو غير مباشر — مصالح الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل؟
من زاوية تحليلية بحتة:
– استمرار التوتر يعني استنزاف جميع القوى الإقليمية
– الفوضى تعني إعادة تشكيل موازين القوى
– التهديد الدائم لممرات مثل مضيق هرمز يبقي سوق الطاقة تحت ضغط يمكن توظيفه سياسيًا، لكن القفز إلى نتيجة أن إيران “أداة” مباشرة قد يكون تبسيطًا مخلًا وغير مقنعا لشريحة كبيرة من المراقبين العرب.. وأظن أن الأقرب للواقع أن هناك تقاطع مصالح في الفوضى، وليس بالضرورة تنسيق مباشر.
بمعنى أدق:
قد لا تكون إيران تنفذ خطة أمريكية، لكنها تلعب في ملعب صُمّم أصلًا لخدمة مصالح أمريكا والقوى الكبرى اللاعبة في الساحة، وامتدادا كذلك لدور ايران في المنطقة.
أزمة وعي أم تراكم جراح؟
المفارقة المؤلمة أن الانقسام العربي لم يكن حول العدو او المعتدي، بل حول تفسير المشهد نفسه:
– فريق يرى إيران خصمًا مباشرًا وخطرًا وجوديًا
– فريق يرى أن الأولوية تظل لمواجهة إسرائيل
– وفريق ثالث فقد الثقة في الجميع.. والنتيجة؟
تفكك وجداني غير مسبوق.. ليس لأن القضايا اختلفت، بل لأن تجارب الشعوب مع الفاعلين الإقليميين أصبحت متناقضة حدّ الصدام.
زبدة القول
المشكلة اليوم وقبل انتهاء آخر مهلة في لغة المهل الأمريكية.. لم تعد في من هو العدو فقط، بل في أن صورة العدو نفسها أصبحت محل نزاع.
إيران، بسياساتها الإقليمية، أضعفت قدرتها على كسب التعاطف حتى في معارك تبدو — نظريًا — مشتركة.
وإسرائيل، بسياساتها، ما زالت تمثل جرحًا مفتوحًا في الوعي العربي.
أما الولايات المتحدة، فتظل المستفيد الأكبر من بقاء المنطقة في حالة توتر دائم تنتوي الاستفادة من تبعاته مستقبلا.. والنتيجة النهائية.. منطقة تحترق، وشعوب إلى حد كبير تائهة ولم تعد متأكدة: من يقاتل من؟ ولصالح من؟!


