تعارف الناس في مختلف أصقاع الأرض ردحا طويلا من الزمن على الذهب والفضة نقودا للتبادل، ومعيارا للقيم، ومخزنا للثروة، ولاقت قبولا عاما بين الناس في الوفاء بالالتزامات، وتدريجيا حلت النقود الورقية محل الذهب والفضة في مختلف أنواع التعاملات بين الناس قاطبة في كل ربوع العالم، المسلمين وغير المسلمين، ولهذا كان للنقود الورقية كل أحكام الذهب والفضة في الشريعة الإسلامية، فيجرى فيها الربا، وتجب فيها الزكاة، وتخضع لأحكام الصرف في الفقه الإسلامي، ويصح جعلها رأس مال في عقد السلم، وذلك بإجماع العلماء، إلا ما شذ من آراء لا اعتبار لها ولا وزن، ولا تؤثر في انعقاد إجماع علماء الشريعة على وجوب الزكاة في النقود الورقية، وهذا الإجماع وهذا الحكم يجرى على كل ما اعتبره الناس نقودا، فلو حلت النقود الالكترونية، أو العملات الرقمية محل النقود الورقية في التعامل بين الناس كان لها حكم الأوراق النقدية، وجرى عليها ما جرى على الذهب والفضة من أحكام.
أدلة وجوب الزكاة في النقود الورقية:
دلت آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وإجماع علماء الأمة، على وجوب الزكاة في النقود الورقية،
فمن القرآن الكريم قوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35)﴾ [التوبة: 34-35].
قال أهل التفسير: نبهت الآيتان بهذا الوعيد الشديد على أن في الذهب والفضة حقا لله تعالى إجمالا، وفي قوله تعالي “ولا ينفقونها” إيماء إلى أن المراد بالذهب والفضة نقودهما، لأنها هي المعدة للإنفاق، والآلة المباشرة له، ويؤكد ذلك قوله تعالي “ولا ينفقونها” بدل “ولا ينفقونهما” لأن الضمير عائد عليهما باعتبارهما دراهم ودنانير، أي باعتبارهما نقودا ورقية أو الكترونية أو رقمية، فالزكاة واجبة في كل ما اعتبره الإنسان نقودا.
ومن السنة:
عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
” ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم. فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار” رواه البخاري ومسلم.
فقد نص هذا الحديث الشريف على الذهب والفضة لأنهما نقود هذا الزمان، فكل ما اعتبره الإنسان نقودا، فالزكاة واجبة فيه بنص القرآن والسنة، وإجماع الأمة.
وقد استقر رأى أساتذة الاقتصاد على أن النقود هي كل ما يستعمل مقياسا للقيم، وواسطة للتبادل، وأداة للادخار، فأي شيء يؤدى هذه الوظيفة يعد نقودا، ما دام يلقي قبولا عاما لدي الناس في الوفاء بالالتزامات، وقد قرر ذلك قديما شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى حين قال: “وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبيعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق بالمقصود به، بل الغرض ان يكون معيارا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانا” أي نقودا.
وقبل حوالي ألف وأربعمائة سنة سبق الإمام مالك إلى تقرير هذه الحقيقة، فقال في المدونة: “ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون سكة وعين لكرهت أن تباع بالذهب والورق نسيئة”
أي لكان للجلود حكم النقود، وجرى فيها الأحكام المقررة للنقود في الشريعة الإسلامية، وقد استقرت أعراف البشر في القرون الأخيرة على اعتبار النقود الورقية، أو أوراق البنكنوت نقودا لها كل وظائف النقود، وقبل حوالي عقد ونصف، أو يزيد قليلا بدأت العملات الالكترونية في الظهور، وحتى الان لم تحل محل العملات الورقية بشكل كبير، وإن كان لها مساحة في التعامل بين الناس ليست قليلة، وتلقي قبولا يتزايد يوما بعد يوم، فلهذا تجب فيها الزكاة كما تجب في النقود الورقية.
مقدار الواجب في النقود الورقية:
يجب فيها ربع العشر، أي 2.5%، مرة واحدة كل عام، إذا توافرت فيها شروط وجوب الزكاة، والتي منها بلوغ النصاب، والنصاب هو حد الغنى الذي تجب عنده الزكاة.
نصاب النقود الورقية:
ونصاب النقود الورقية هو نصاب الذهب والفضة، ونصاب الذهب عشرون دينارا، وهي تساوي 85 جرام تقريبا، ونصاب الفضة خمسة أواق، وتساوى 595 جرام تقريبا،
وبالنظر إلى قيمة النصابين الذهب والفضة، يبدو واضحا أن قيمة نصاب الذهب عشرة أضعاف قيمة نصاب الفضة تقريبا، فأي النصابين يكون هو نصاب النقود الورقية، الذي عليه جماهير العلماء، واستقرت عليه المجامع الفقهية في مختلف الدول الإسلامية، أن نصاب النقود الورقية هو نصاب الفضة، وليس نصاب الذهب، واستدلوا على صحة ذلك بأدلة كثيرة منها:
1- ورد في تحديد نصاب الفضة أحاديث صحيحة مشهورة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: {ليس فيما دون خمس أواق من الورِق صدقة} رواه البخاري ومسلم، والورِق هو الفضة، والخمسة أواق تساوى 200 درهم، والمائتي درهم تساوى 595 جرام من الفضة
2- لم يرد في تحديد نصاب الذهب حديث صحيح في درجة أحاديث نصاب الفضة، وكلها محكوم عليه بالضعف، فحديث عبد الله بن عمرو {ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم من الفضة صدقة} ضعفه شيخ الإسلام ابن حجر، وكذا ما روى في تحديد نصاب الذهب عن عمر وعائشة رضى الله عنهما، ضعفه أئمة الحديث.
3- قال الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة: “ويبدو أن النقود الفضية كانت هي الشائعة والكثيرة الاستعمال عند العرب في عصر النبوة، لهذا نصت عليها الأحاديث المشهورة، التي بينت مقادير الصدقات المفروضة وأنصبتها، فصرحت بنصاب الدراهم، كما صرحت بمقدار الواجب فيها، وعلم منها أن نصاب الفضة مائتا درهم، وهذا مما لم يخالف فيه أحد من علماء الإسلام، وأما النقود الذهبية فلم يجئ في نصابها أحاديث في قوة أحاديث الفضة وشهرتها، ولذا لم يظفر نصاب الذهب بالإجماع كالفضة”.
4- التقدير بنصاب الفضة أنفع للفقراء، والأنفع للفقير قاعدة فقهية مستقرة لدى فقهاء المذاهب الأربعة، وقد وردت كثيرا في كتبهم بعبارات مختلفة، لكن المعنى واحدة، فعبر عنها “بالأحظ للفقير” وقيل: “بالأحظ للفقراء” وقيل غير ذلك، ولهذا يجب أن يكون نصاب النقود الورقية، والعملات الرقمية والالكترونية، هو نصاب الفضة لا نصاب الذهب، لأن التقدير بالفضة أنفع للفقير، لأنه عشر قيمة نصاب الذهب تقريبا.
5- ومما يؤكد أن نصاب النقود الورقية هو نصاب الفضة لا نصاب الذهب، أن عددا غير قليل من علماء الإسلام ذهبوا إلى أن نصاب الذهب نفسه معتبر بالفضة ويقدر بالفضة لا بالذهب، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في نصاب الذهب، وثبت أنه حمله على نصاب الفضة، وهذا ما حكاه ابن قدامة في المغنى عن عطاء، وطاوس، والزهرى، وسليمان بن حرب، وأيوب السختياني.
6- أصدرت الكثير من المجامع الفقهية، وهيئة كبار العلماء في السعودية قرارات وفتاوى تنص على أن نصاب النقود الورقية هو أدنى النصابين -أي أقلهما- من الذهب والفضة، فإذا كانت الفضة هي الأرخص كان النصاب معتبر بها، وإن كان الذهب هو الأرخص كان النصاب معتبر به، والله أعلم.


