فجأة تنطلق حملة منظمة تعيد اكتشاف الشيخ السجين سمير مصطفى؛ فتفند تسجيلات منسوبة إليه فيها ما يفيد عبارات ومضامين تكفيرية!
والحقيقة أن من أطلقوا هذه السحابة الكريهة من الغازات السامة أجادوا في تنظيمها من ناحية التوقيت والتكتيك وتوزيع الأدوار:
فأما التوقيت فلعله قبل إصدار حكم قاسٍ على الشيخ سمير مصطفى، فالاغتيال المعنوي الذي يمارس على أي شخص؛ كثيراً ما يسبق إقصاءً مادياً.
وأما التكتيك فهو الضغط على كل من نشر وروج أو استمع واستمتع أو تعاطف ونصر؛ مع كلمات ومواعظ وتربويات وروائع الشيخ سمير البليغ المؤثر الصادق والظريف -لا كوجوههم المكفهرة التي تذكرك بكفار قريش في فيلم فجر الإسلام- نحسبه والله حسيبه.
وأما توزيع الأدوار فمن خلال إشعال الفتيل في ذيل كل بيدق من البيادق الراكدة، ومجموعة الطابور النورجي الخامس؛ وتشغيل الخلايا النائمة ولو كانت وحيدة الخلية، بمعنى أنها شخصيات مختلفة الأدوار، كلها يزعم ألا علاقة له “بدعوة برهامي السلفية” و “حزب التنور المسجور”!
فخلافاً للذباب الإلكتروني والأطفال الموظفين للتشغيب والنشر على الوسائط الاجتماعية؛ يكتب في نهش الشيخ سمير مصطفى خبير الاستشارات والتربويات “الأمهري”، وينقل عنه ثم يعقب عليه الأخ “أمجد الممتاز” وله نشاط متواضع على الإنترنت؛ علمي وتربوي وكوتشنج والذي منه، وغيرهما أولاد غية كثيرون، وأنصاف براهمة وأرباع وأثمان آخرون، كلهم يستنكر “المقالات السميرية في المسائل التكفيرية”، بدعوى “الحفاظ على العقيدة” بل ويضغطون على الجميع لإعلان البراءة منها واستنكارها وإلا كانوا خوارج تكفيريين كالشيخ سمير مصطفى نفسه.
إذاً فبرهامي يصدر الأمر فيشرع الجميع في التنفيذ، كل من موقعه وبطريقته، فالسفهاء وأبناء الشوارع بأسلوب الشوارعية، والأفندية بأسلوب الأفندية، والمتشبعون برداء الإصلاح والعلم باسلوب المصلحين والمعلمين، وهكذا!
وهنا يثور سؤال غير بريء: ما هدف الاغتيال المعنوي لسمير مصطفى، وهل يسبق حكماً جائراً بالاغتيال القضائي والقانوني للرجل!
على أي حال فهذه الحملة لها هدفان:
أقلهما: إرضاء مرض نفسي عند الزعيم، بإسقاط أي رمز دعوي إسلامي حر له قبول، خاصة مع نبذه وجماعته وتحقيرهم من الكافة.
والثاني: أمني بهدف إهدار خصوم الأمن من الإسلاميين الأكثر انتشاراً وقبولاً، خاصة الأشد حدة في مواجهته.
وقد أوضح بعض الإخوة الأفاضل ممن كتبوا في الموضوع؛ نقاطاً مهمة ودقيقة؛ فمنهم من ذكر حقيقة يعرفها كل من يعرف برهامي جيداً، فالرجل حقود وغيور جداً، لا يطيق أن يستمع الناس إلى غيره، أو يشتهر داعية آخر خاصة إن انتسب للسلفية ونازعهم في نفس الكعكة، فهو شخص مريض بالتسلط وتعظيم الذات، والرجل وجماعته في العموم مجرمون يشون ويبلغون الأمن عن أي منازع على الساحة بمنتهى الأريحية، كما فعلوا معنا ومع غيرنا.
وهي أيضاً “مهمة مقدسة” موهومة، و”جهاد للدفاع عن العقيدة” مزعوم؛ لإشغال شباب الدعوة الميتة ونفخ الروح فيها، فلابد للجميع من قضية يندفعون خلفها، ولابد من إفراغ الحماسة من خلال معارك آمنة مدعومة ومسندة من السلطة ضد خصومها!
ولنقاش الدعوى نفسها: فالشيخ سمير مصطفى رجل داعية فاضل له عطاء وبذل دعوي وتربوي ورقائقي متميز ومبهر؛ نفع الله به خلقاً كثيراً، ولي على هذه التقدمة ملاحظات:
لا نعتقد بعصمة أحد غير رسول الله ﷺ، فقد يشوب كلامه وطرحه -مثله كغيره- خطأ أو شطط أو غلو.
بعض ما يؤخذ على الشيخ سمير -إن صحت نسبته إليه- هو نص تقريرات واستدلالات وأحكام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من العلماء والعامة، وهي نفس ما يعتقد ويقرر أكثر السلفيين في مصر وغيرها ممن يحملون نفس الفكر والاعتقاد، بل كان يقول بها أو ببعضها برهامي وأتباعه قديماً.
فلماذا لم يشنعوا أو يتهموا علماء وشيوخ السعودية القديم منهم والحديث والماضي والمعاصر! هل هناك مانع لا أعرفه لا سمح الله! طمئنوني بالله عليكم فأنا متوغوش حبتين على العقيدة.
لإنصاف الشيخ سمير مصطفى وقطاعات عريضة من السلفيين؛ فأنا أقول أنه لا يترتب على تبني تلك المقالات النجدية تكفيراً أو توقيعاً لأحكام التكفير على المعينين، وبنقاش كثير ممن يتبنونها عبر عشرات السنين؛ كانت المخرجات خيراً من المدخلات، فجميع هؤلاء يقيدون التكفير بانتفاء الموانع وتحقق الشروط؛ فيزول الإشكال بذلك.
ولم يعمم أحدهم أحكام التكفير بحذافيرها على الناس ويوقع آثارها على المسلمين بسفك الدماء واستحلال الأموال والأبضاع، إلا فئة تنظيم الدولة أو داعش، ولإنصافهم أيضاً أقول: أنهم المحاكاة والتكرار العلمي والعملي لدعوة محمد بن عبد الوهاب، ونقل احكامها وتاريخها من على أرفف الكتب إلى أرض الواقع، فاقبلوا ذلك جميعاً أو دعوه جميعاً
وأخيراً: فلابد من تفنيد بدعة قبيحة ومعطلة لكثير من الخير -ومنه خير الشيخ سمير مصطفى- لم تصدر إلا عن نفوس أقبح؛ وهي تجريم ومعايرة كل من ينشر أو يحب شيئاً من الخير والفضل عند أصحاب الفضل؛ لشوب خطأ أو معصية أو غلو يحتمل أو لا يحتمل التأويل، والصواب هو نشر مافيه خير وبر وشرع ودين، وترك ما فيه خطأ أو باطل؛ هكذا يمنتهى البساطة!
فمازلنا نعظم مقام سلطان العلماء العز بن عبد السلام، وننقل عن ابن تيمية، ونتعلم من حجة الإسلام الغزالي، والنووي وابن حجر وابن رشد وغيرهم رغم ما قد يؤخذ عليهم جميعاً، ولا تلزمنا بقية أقوالهم واختياراتهم “الاعتقادية” كالتجسيم عند البعض والتعطيل عند آخرين، أو “الفقهية” كفتوى الطلاق أو فتوى النبيذ، أو الصوفية كالمدسوس على بعضهم، أو الفلسفية كالمسطور في كتب آخرين منهم.
الحملة كلها معنوية لاغتيال شعبية الرجل وحبه في قلوب الناس، فقط لأنه ضد السلطة ومرشح بشعبيته أن يرث الساحة الدعوية بل ويكتسحها بعد أن تنفرج الغمة عن مصر، خاصة مع شغورها بعد سلفه الكبار الأخيار كفوزي السعيد وغيره، وليست المشكلة في العقيدة ولا يحزنون.


