بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد..
في صفحة قناة وطن على (الفيسبوك) وضع هذا المنشور: «إنّ الجماعة لها قيادة واحدة، ممثلة في فضيلة المرشد العام الدكتور محمد بديع – فك الله أسره وإخوانه – ومجلس الشورى العام هو الوحيد صاحب الحقّ في اختيار القائم بعمل فضيلة المرشد العام في ظل الوضع الحاليّ للجماعة، وإنّ الأصل في إدارة الجماعة هو نتاج هياكلها الإدارية المنتخبة والإدارية، وليس ما تنتجه بعض ظروف الواقع؛ فالمسئولية في الجماعة تكليف لا تشريف»، وعلى جانبيه صورة فضيلة المرشد العام لـ جماعة الإخوان المسلمين الأستاذ الدكتور محمد بديع – فكّ الله أسره – وصورة الدكتور محمود حسين القائم بأعمال المرشد حسبما يقال.
فلمّا قرأت ذا المنشور تذكرت ذاك الحوار، الذي دار بيني وبين الدكتور محمود حسين في ابتداء النزاع منذ ما لا يقل عن عشرة أعوام، يومها قال لي – ولمن معي – هذا الكلامَ نفسَه بمعناه ومبناه؛ فإمّا أنّ هذا الكلام من والرسوخ والشموخ بما يبقيه على مرّ الزمان في برج عاجيّ سامق، بمنأى عن التغيير أو التحوير، وإمّا أنّنا نحن حجارة صمّاء لا يؤثر فيها مرُّ الأيام وكرُّ السنين والأعوام، فطفقنا اليوم نكرر كلامًا باهتًا ميّتًا أكل عليه الدهر وشرب، ونحن سعداء منتشون، فهل هذا الكلام يرتقي إلى هذه القمة؟ حتى نَسْلَمَ من وصم التحجر ووصف الجمود؟ هذا ما أحاول الآن أن أبيّنه، ونسأل الله التوفيق والسداد.
منذ أيام خرج الدكتور محمود حسين على الناس داعيًا إلى التآلف ووحدة الصفّ؛ فإن كان الكلام الذي يقوله اليوم هو (الأصل!) الذي سيجمع الناس عليه؛ فيا أيتها الجماعة أبشري بمزيد من الفرقة والغربة، وهزّي إليك بجزع التآلف يساقط حولك الجمل الخرساء البكماء الشمطاء العجفاء، التي – مما أصابها من الحول – لا نعرفها حين تنساب بيننا أهي مقبلة أم مدبرة، أهي متوجهةٌ ذات اليمين أم مُيَمِّمَةٌ وجهها ذات الشمال، ولا نستطيع – لقتامة الموقف الغارق في الطلسمة – أن نتوقع أو نتصور شيئًا.
إنّ الحق كفلق الصبح أبلج، لا يتلعثم ولا يتلجلج، ولا يمارس على الناس اللف والدوران، فمن أراد جمع الكلمة وإعادة اللحمة فلا سبيل إلى ذلك إلا بالعودة إلى الأصل الشرعيّ القديم (الشورى)، فهي الأصل الذي بنيت عليه الجماعة يوم قامت، والذي في ظله وضعت كل الأصول التي تلت ذلك، ويظلّ هذا الأصل الشرعيّ الكبير هو المرجع والمستند كلما اضطربت الأحوال وتزلزلت أركان الجماعات، أمّا أن ندعي العصمة للائحة من اللوائح واضعين موادَّها أو بعضَ موادِّها أصولًا ننطلق منها فهذا هو العمى الذي لا يصيب الأعين (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46).
ما هي القيمة التي تقدمها لائحة لجماعة ضربها الزلزال المدمر فأطار رأسها ودكّ قواعدها وضعضع كل أركانها؟ ما هي القيمة الإسلامية أو الإنسانية أو حتى التنظيمية؟ ما هي القيمة المنبثقة من أصل الحقّ القديم أو من أصل العدل العريق، أو من أصل الوفاء الضارب بأغصانه في علياء السماء؟ لا قيمة اليوم لبنود ولا للوائح، ولا لقوانين ولا لتقاليد، القيمة الحقيقية المنبثقة من الحق والعدل والوفاء هي – فقط – الاجتماع، كائنًا ما كان السبيل المسلوك إليه أو الطريق المطروق نحوه، والاجتماع والشورى والحرية قيم متماسكة، لا تنهار قيمة منها إلّا لتخبر أو تنذر بانهيار أختيها، وما يسميه الدكتور محمود حسين أصلًا ليس إلّا غُلًّا، وليس مع الأغلال حرية ولا شورى، وليس في غيابهما يكون للناس اجتماع إلا مع الاستبداد.
فإن لم يتحقق الاجتماع على وجهه الصحيح فلا حاجة لقوالب بشرية تصبها القيادات على مزاجها وهواها، وتعتقل فيها أولاد المسلمين وشباب الأمة؛ بلا داعي إلا الرغبة من الكبار في تكثير الأتباع والرغبة من الأتباع في مكاثرة الآخرين، كفانا خداعًا نتعاطاه ونتبادله معاوضة بمعاوضة ومقايضة بمقايضة، وإنّ لنا في الوحدة بمعناها الواسع لمندوحة عن تعاطي الكذب والتلذذ به، والوحدة بمعناها الواسع تتحقق بحسن إدارة الاختلاف والتعدد، وحسن استثمار المساحات المشتركة، مع التوافق على بنود شرعية عامة كالهوية العامة للأمة والمرجعية الكلية لها وغير ذلك، فإن نجحنا في هذا فلا ضير من تعدد الجماعات، ولا خطر من تنافس الكيانات، أمّا جمع الناس وحشر القواعد بالكذب والخداع والتضليل فلا ثم لا.


