تهميشُ مسائلِ العقيدةِ وتمييعُ قضايا السُّنَّةِ والبدعةِ في بعضِ الخطاباتِ الدعويةِ المعاصرةِ وأثرُه في إضعافِ منهجِ أهلِ السُّنَّةِ والأثر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
فإن من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن حفظ لها دينها، وأقام في كل عصر من يذب عن عقيدة الإسلام، ويكشف شبهات المبتدعة، ويبين الحق للناس، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].
وفي المقابل ظهر في هذا العصر خطاب دعوي يدعو إلى تجاوز الخلافات العقدية، ويهون من شأن مسائل الأسماء والصفات، ويحذر من الرد على المخالفين، ويجعل ذلك سببًا للتفرقة والاستقطاب، ويرى أن الأولى ترك العامة على ما هم عليه والانشغال بالوعظ والرقائق.
وهذا المسلك مخالف لمنهج السلف الصالح من وجوه كثيرة.
أولًا: مسائل العقيدة ليست صراعات فكرية، وإنما هي أصل الدين.
إن مسائل الاستواء، والعلو، والكلام، والإيمان، والقدر، وسائر أبواب الاعتقاد، ليست قضايا أحدثها المتأخرون، وإنما هي نصوص جاء بها القرآن والسنة، وتكلم فيها الصحابة والتابعون، ثم دافع عنها أئمة الإسلام لما ظهرت البدع.
فلو كان الاشتغال بها مذمومًا، لما امتحن الإمام أحمد في مسألة كلام الله، ولما صنف البخاري كتابه خلق أفعال العباد، ولما ألف الدارمي الرد على بشر المريسي، ولما امتلأت كتب السنة بالرد على الجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج.
قال الإمام أحمد رحمه الله:
“إذا سكت العالم تقية، والجاهل جهلاً، فمتى يظهر الحق؟”
فهل كان هؤلاء الأئمة أهل صراع واستقطاب، أم كانوا قائمين بواجب البيان الذي أمرهم الله به؟
ثانيًا: التهوين من العقيدة يفضي إلى التهوين من الدين كله.
من الخطأ أن يقال: إن هذه المسائل ليست من صلب الدين.
بل هي من أعظم أصوله، فإن أول ما دعا إليه الرسل هو توحيد الله، وتصحيح الاعتقاد.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
وقال الإمام البخاري رحمه الله:
“لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل.”
فالعقيدة ليست ترفًا فكريًا، وإنما هي الأساس الذي تُبنى عليه صحة الأقوال والأعمال.
ثالثًا: دعوى أن العامة كانوا في عافية حتى تكلم أهل السنة في العقيدة دعوى باطلة.
العامة اليوم لا يعيشون في فراغ.
بل يتلقون دينهم من الفضائيات، ومنصات التواصل، والكتب، والمقاطع المختصرة، وفيها من يبث عقائد الجهمية، والأشاعرة، والرافضة، والقبوريين، وأهل الإلحاد.
فإذا سكت أهل السنة، فمن يبين الحق؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
“إذا ظهرت البدع وجب بيانها، وإلا كان كتمان العلم من أعظم الإثم.”
وقال أيضًا:
“العوام إذا لم يبين لهم الحق اعتقدوا الباطل تقليدًا.”
فالسكوت ليس رحمة، وإنما هو تسليم للعامة لأهل الأهواء.
رابعًا: ليس من منهج السلف إخفاء المخالفين عند الحاجة إلى التحذير منهم.
ومن الدعوات المنتشرة أن يُذكر الحق مجردًا دون الإشارة إلى المخالف، وأن الردود ليست من الدعوة.
وهذا خلاف عمل السلف.
فقد سمى الأئمة الجهم بن صفوان، وبشر المريسي، وعمرو بن عبيد، والجعد بن درهم، وغيرهم، وحذروا من مقالاتهم؛ صيانة لدين الناس.
ولم يعدوا ذلك من الغيبة، بل من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين.
قال الإمام أحمد:
“إذا سكت العالم تقية، والجاهل جهلاً، فمتى يظهر الحق؟”
خامسًا: الرد على أهل البدع عبادة، وليس خصومة شخصية.
يزعم بعض الناس أن الردود ليست محلها المنابر والدروس.
وهذا مخالف للقرآن قبل أن يكون مخالفًا لكلام العلماء، فالقرآن مليء بالرد على المشركين، واليهود، والنصارى، والمنافقين، وأهل الأهواء.
وكذلك سنة النبي ﷺ.
ثم سار على ذلك أئمة الإسلام، فصنفوا مئات الكتب في الردود، كالإمام أحمد، والبخاري، والدارمي، وابن خزيمة، وابن منده، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم.
فالرد على الباطل إذا احتيج إليه من الجهاد بالعلم والبيان.
سادسًا: حسن النية لا يصحح البدعة.
ومن آثار هذا الخطاب التوسع في الاعتذار لأهل البدع بحجة حسن المقصد، أو محبة النبي ﷺ، أو إرادة الخير.
وهذا مخالف للنصوص.
قال رسول الله ﷺ:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وقال:
«وكل بدعة ضلالة».
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
“اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.
فالنية الصالحة شرط لقبول العمل، لكنها لا تغني عن موافقة السنة.
سابعًا: لا تعارض بين إصلاح النفس وبيان الحق.
ويكثر في هذا الخطاب الحث على الانشغال بالنفس، مع التقليل من شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا تفريق بين ما جمعه الله.
قال تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
وقال أبو بكر رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى:
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾:
“إنكم تضعون هذه الآية على غير موضعها.”
فصلاح النفس لا يسقط واجب بيان الحق.
ثامنًا: الاجتماع المشروع هو الاجتماع على السنة.
ليس كل اجتماع محمودًا.
وليس كل خلاف مذمومًا.
فقد أمر الله بالاعتصام بحبله، ولم يأمر بالاجتماع على حساب الحق.
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾.
فلا يجوز جعل وحدة الصف ذريعة لإخفاء العقيدة، أو تعطيل الرد على البدع، أو مساواة أهل السنة بأهل الأهواء.
وخلاصة الأمر أن الدعوة إلى الله لا تقوم على الرقائق وحدها، ولا على تزكية النفوس مجردة، بل تقوم أولًا على تصحيح الاعتقاد، ثم بناء الأعمال عليه.
وقد كان السلف رحمهم الله يجمعون بين الرحمة والبيان، وبين حسن الخلق والرد على أهل البدع، فلم يميعوا الدين باسم الاجتماع، ولم يغلوا في الخصومة، بل التزموا العدل، ونصحوا للأمة، وقاموا بواجب البلاغ.
قال الإمام مالك رحمه الله:
“لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.”
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
“الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.”
فنسأل الله تعالى أن يثبتنا على السنة، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


