كتبها ChatGPT (GPT-6)، بتحريضٍ فكريّ من نارت قاخون، وفي سياق حوارٍ نقديٍّ معه عن نوبل والأدب وأوهام التنبّؤ؛ فالإنسان طرح الأسئلة، والآلة اقترحت الأسماء الثلاثة وكتبت المقالة.
في أكتوبر من كلّ عام، تنشغل الصحافة وقوائم المراهنات بالأسماء التي يُحتمل أن تخرج من باب الأكاديميّة السويديّة، ثمّ يأتي الذكاء الاصطناعيّ، الذي يُفترض أنّه يمتلك قدرةً استثنائيّةً على استيعاب المعرفة وتحليل الأنماط، ليعيد علينا، في الغالب، الأسماء نفسها! ففي استطلاع أجرته «دويتشه فيله» لتسعة أنظمة ذكاء اصطناعيّ بشأن نوبل 2026، اتّفقت خمسة من ثمانية أنظمة أجابت عن سؤال الأدب على ترجيح الصينيّة تسان شيويه، التي تتصدّر أصلاً قوائم المراهنات. وهنا تبدأ المفارقة: هل توصّلت الأنظمة إلى النتيجة نفسها باستدلالات مستقلّة، أم أنّها أعادت إنتاج التوقّعات المتداولة في المصادر التي تستقي منها معرفتها؟
وماذا لو قلبنا السؤال، وطلبنا إلى الذكاء الاصطناعيّ ألّا يتوقّع اختيار الأكاديميّة، بل أن يتخيّل نفسه مكانها، ويبحث عن كتّاب يستطيع الدفاع عن استحقاقهم خارج القوائم المألوفة؟ لقد جرّبتُ ذلك، فاقترح ثلاثة أسماء لم ترد في القائمة الموسّعة لمراهنات «لادبروكس» التي نُشرت في 29 سبتمبر: الأمريكيّة ليديا ديفيس، واليابانيّة ذات الأصول الكوريّة يو ميري، والليبيّ هشام مطر.
ولا شيء يجمع هؤلاء الثلاثة في مدرسة أدبيّة واحدة أو لغة أو جغرافيا أو جمهور قرّاء؛ بل إنّ اختلافهم هو ما يمنح الاختيار قيمته، إذ ينقلنا من السؤال عمّن تتوقّع السوق فوزه إلى السؤال عمّن يمكن أن يستحقّ الجائزة لأسباب لا تقيسها السوق بالضرورة. وتلك نقلة من حساب الاحتمالات إلى مساءلة القيمة؛ فالاستحقاق حكمٌ على المنجز، أمّا التوقّع فحكمٌ على قرار الآخرين، وما أبعد المسافة بين الحكمين!
لنبدأ بليديا ديفيس (1947)، التي جعلت من القليل فناً كثيراً، ومن الجملة التي تكاد لا تروي شيئاً حكايةً عمّا لا ينتهي من الأشياء. لقد دفعت القصّة القصيرة إلى حدودها القصوى، حتى غدت بعض قصصها شذرةً أو ملاحظةً أو مفارقةً لا تتجاوز بضعة أسطر، لكنها تملك قدرةً عجيبةً على تحويل المألوف إلى غريب، واليوميّ إلى سؤال فلسفيّ، والتفصيل التافه إلى اكتشافٍ صغير للوجود. لعلّ فوزها سيكون احتفاءً بالأدب الذي لا يحتاج إلى ضخامة الرواية ولا إلى صخب الأحداث ليصنع عالماً، بل قد يكفيه أن يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى تفصيلٍ لم نكن نراه.
وليديا ديفيس ليست مجهولةً عربيّاً تماماً؛ فقد صدرت لها مجموعة «تنويعات الانزعاج» بترجمة آية نبيه، عن الهيئة المصريّة العامّة للكتاب سنة 2016، إلى جانب قصص متفرّقة نقلها مترجمون عرب، منهم أحمد شافعي ومحمد جميل وبسمة ناجي وأحمد ليثي. لكنّ حضورها العربيّ يظلّ محدوداً قياساً إلى مكانتها في التجريب السرديّ المعاصر. وتكمن المفارقة في أنّ نوبل، لو اختارتها، قد تفتح شهرةً عالميّةً أوسع لكاتبة ظلّت طوال عقود تختبر إمكان كتابة قصّة من غير أن تقدّم للقارئ ما اعتاد أن يسمّيه قصّة! وربّما كان ذلك أجمل ما يمكن أن تكافئه جائزة أدبيّة: أن تمنح الاعتراف لكاتبٍ لم يكتفِ بإتقان القواعد، بل أعاد مساءلة ضرورتها.
أمّا يو ميري (1968)، فتمثّل احتمالاً آخر، لا يقلّ إثارةً وإن اختلف جذريّاً؛ فهي كاتبة من أصل كوريّ تكتب باليابانيّة، وتستخرج من هوامش المجتمع اليابانيّ حيواتٍ قلّما تتّسع لها السرديّات الوطنيّة الكبرى. في روايتها «محطّة أوينو في طوكيو» (Tokyo Ueno Station)، التي نالت ترجمتها الإنجليزيّة، بجهد مورغان جايلز، الجائزة الوطنيّة الأمريكيّة للكتاب المترجم سنة 2020، نرى المدينة من موقع عاملٍ مشرّد انتهت حياته، لكنّ صوته يظلّ عالقاً في المكان، شاهداً على تاريخ لا يتّسع كثيراً لأمثاله. إنّها كتابة لا تكتفي بتمثيل المهمّشين، بل تعيد النظر في الجهة التي تمتلك الحقّ في رواية التاريخ، وفي العلاقة بين ازدهار المدن والأجساد التي تدفع أثمان هذا الازدهار.
ولم أعثر، في حدود البحث المتاح، على طبعة عربيّة منشورة وموثّقة لهذه الرواية؛ وما وجدته بالعربيّة مقالات تعرّف بها انطلاقاً من تداولها وترجمتها الإنجليزيّة. وهنا مفارقة أخرى: قد نستغرب فوز كاتبة لم نقرأ لها، مع أنّ جهلنا بها ليس حكماً على منجزها، بل وصفٌ لموقعها في خريطة ترجمتنا وقراءتنا. ولعلّ نوبل، إذا اختارتها، تذكّرنا بأنّ الأدب العالميّ ليس ما نعرفه من أدب العالم، وأنّ حدود معرفتنا بالآداب ليست حدود تلك الآداب نفسها. وقد تكون المسافة بين الكاتب العظيم والكاتب المجهول مجرّد ترجمة لم تحدث بعد!
ويبقى هشام مطر (1970)، الكاتب الليبيّ الذي يكتب بالإنجليزيّة، ويجعل من الفقد والمنفى والغياب مادّةً لتأمّلٍ سرديّ عميق في الإنسان والسلطة والذاكرة. في «في بلد الرجال» و«اختفاء» و«العودة» و«أصدقائي»، لا يكون الغياب فراغاً تتركه الشخصيّات الراحلة، بل حضوراً مستمرّاً يعيد تشكيل حياة الباقين؛ فالأب المفقود لا ينتهي باختفائه، والوطن الذي يغيب عن العين يظلّ حاضراً في اللغة والذاكرة والعلاقات الإنسانيّة.
وقد تُرجمت إلى العربيّة روايتاه «في بلد الرجال» و«اختفاء» بقلم محمد عبد النبي، وكتاب «شهر في سيينا» بترجمة زوينة آل تويّه، التي نقلت أيضاً روايته «أصدقائي»، الصادرة عربيّاً عن دار الشروق مطلع 2026. ولئن اختارته الأكاديميّة، فسنجد أنفسنا أمام سؤال عربيّ قديم جديد: هل يكفي أن تكون التجربة عربيّةً لنسمّي العمل أدباً عربيّاً، ولو كُتب بالإنجليزيّة؟ أم أنّ اللغة هي التي تحدّد الانتماء الأدبيّ، ولو كانت الذاكرة التي تحملها آتيةً من مكان آخر؟
لكنّ المفارقة الكبرى تظلّ خارج الأسماء الثلاثة كلّها؛ فما الذي سنفعله إن فاز أحدهم؟ هل سنقول إنّ الذكاء الاصطناعيّ أثبت قدرته الاستثنائيّة على الاستشراف، وننسى أنّه لم يتنبّأ، بل اقترح أسماءً يمكن الدفاع عن منجزها؟ وماذا لو لم يفز أيٌّ منهم؟ هل نعدّ ذلك دليلاً على خطأ الاختيار، أم على اختلاف معاييرنا عن معايير الأكاديميّة؟
إنّ من أغرب ما نفعله بالأدب أنّنا نستدعي الجائزة لتصدّق أحكامنا، فإذا وافقتنا احتفلنا ببصيرتنا، وإذا خالفتنا شككنا في بصيرتها! وبعد ساعات سيخرج اسمٌ واحد من ستوكهولم، وسيخرج معه كثيرون قائلين: «ألم أقل لكم؟».
أمّا الاختبار الأجمل للذكاء الاصطناعيّ، وللعقل الإنسانيّ أيضاً، فليس أن يصيب اسم الفائز، بل أن يستطيع الدفاع عن اختياره قبل إعلان النتيجة وبعدها، من غير أن يجعل من الفوز برهاناً على صحّة حكمه، ولا من عدم الفوز دليلاً على فساده. فقد نعرف اليوم من اختارته نوبل، لكنّ ذلك لن يخبرنا بالضرورة عمّن كان الأدب سيختاره لو أنّه يستطيع منح جائزته بنفسه!
ملاحظة: هذه مقالة كتبها الذكاء الاصطناعيّ بكلّ ما فيها بداية من العنوان، وإشهار كاتبها، وتنسيق نصّها وفقراتها، وانتهاء بمضمونها وبنيتها، فعل ذلك بعد أمره: اكتب مقالة منطلقاً من حوارنا…


