عنترة الحقيقي كان فارسًا صادقًا، شجاعًا بالفعل لا بالقول وحده، وكان شاعراً أديباً لبيباً مطبوعاً لا مصنوعاً، فهو أحد أصحاب “المعلقات السبع” التي تمثل قمة الشعر العربي في الجاهلية.
كان عنترة مظلومًا مهضوماً اجتماعيًاً، إذ كان عبداً أسود يعاني من التفرقة العنصرية وإنكار النسب لأبيه العبسي وقومه.
لم يُظلَم عنترة في حياته فقط، بل ظُلِم بعد موته حين حُوِّل اسمه إلى رمز للضجيج والشعارات الجوفاء، بينما كان هو رمزًا للفعل والبطولة والفروسية. فلم يكن خطابه أجوف كخطابات كثير من عناترة زماننا؛ بل كان فعله سابقًا لقوله.
إذن لماذا باتت العنترية عبارة سيئة السمعة؟
يرجع السبب في ذلك إلى أن “الشعارات العنترية” اليوم كلام بلا كلفة، وبطولة لفظية بلا تضحية، وشجاعة إعلامية لا ميدانية.
فالوصف لا يُراد به الطعن في عنترة بن شداد نفسه، وإنما يُراد به الخطاب المتكلف في الشجاعة والبطولة الذي يبالغ في القوة دون قدرة حقيقية، ويكثر من الوعيد والتهديد دون فعل، ويركّز على استعراض الكلمات بدلا من تقديم البراهين.
لقد اختزلت فروسية عنترة وقضيته الإنسانية – في الاستعمال المعاصر – في التحدي والمواجهة، وأهملت أبعاده الأخلاقية والإنسانية.
ورغم أن شعر عنترة كان في العصر الجاهلي إلا أنه تضمن كثيراً من المعاني الطيبة كالشجاعة، والوفاء، والعفة وضبط النفس، ونصرة المظلوم، لكنها كانت قيم فطرية عرفية وليست تعبيراً عن تصور ديني توحيدي مكتمل.
فهل من عودة حقيقة في عالمنا العربي لفروسية عنترة وشهامته الحقيقية وأفعاله التي تسبق خطاباته وأقواله؟!
ولمحبي الشعر الأصيل؛ إليكم مختارات ممتعة من معلقته الشهيرة التي بلغت تسعة وسبعين بيتاً
يقول عنترة:
سَهلٌ مُخالقتي، إِذَا لَمْ أُظْلَـمِ
وإِذَا ظُلِمْتُ فَإِنَّ ظُلْمِي بَاسِـلٌ
مُـرٌّ مَذَاقَتُـهُ كَطَعْمِ العَلْقَـمِ
ويقول:
يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقِيعَةَ أَنَّنِـي
أَغْشَى الوَغَى وَأَعِفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ
فأرى مَغانِمَ لو أشاءُ حَويتُها
ويَصُدني عَنها الحَيا وتَكرُمي
ومُدَجَجٍ كَرِهَ الكُماةُ نِزالَهُ
لا مُمعِنٍ هَربًا، ولا مُستَسلِمِ
جَادت يَدايَ لهُ بِعاجلِ طَعنةٍ
بِمُثقفٍ صَدقِ الكُعُوبِ مُقَوّمِ
ويقول:
لما رأيتُ القومَ أقبلَ جَمعُهُم
يَتذامَرونَ، كَررتُ غَيرَ مُذَمَّمِ
ولقد هَمَمتُ بِغارةٍ في لَيلةٍ
سَوداءَ حَالِكةٍ كَلونِ الأدلَمِ
يَدعونَ عَنترَ، والرِماحُ كَأنها
أشطانُ بِئرٍ في لَبانِ الأدهَمِ
كيفَ التَقدمُ، والرِماحُ كَأنها
بَرقٌ تَلألأ في السحابِ الأركَمِ؟
كيفَ التَقدمُ، والسيوفُ كَأنها
غَوغا جَرادٍ في كَثيبٍ أهيَمِ
فإذا اشتكى وَقع القنا بِلَبانهِ
أدنيتُهُ مِن سَلِّ عَضبٍ مِخذَمِ
ما زلتُ أرميهِم بِغُرةِ وَجهِهِ
ولَبانِهِ حَتى تَسربَلَ بِالدَمِ
ويقول:
ولقد شَفى نَفسي، وأبرأَ سُقمَها
قِيل الفُوارِسِ: ويكَ عَنترَ أقدِمِ
الشاتِمي عِرضي، ولم اشتِمهُما
والناذرينِ إذا لم ألقِّهُما دَمي
أُسُدٌ عَليَّ، وفي العَدوِّ أذِلَةٌ
هذا، لَعَمرُكَ، فِعلُ مَولى الأشأَمِ


