يحل شهر رمضان هذا العام على المسلمين في الولايات المتحدة وسط أجواء من القلق والتوتر، حيث تتقاطع عدة عوامل سياسية واجتماعية تزيد من شعور عدم اليقين داخل المجتمعات المسلمة. فبين تشديد سياسات الهجرة، وتصاعد الخطاب المعادي للمسلمين في موسم الانتخابات، وتداعيات التوترات والحروب في الشرق الأوسط، يجد كثير من المسلمين أنفسهم يحاولون الحفاظ على روح الشهر الكريم في ظروف غير اعتيادية.
باترسون.. مجتمع مسلم كبير يعيش المخاوف
في مدينة باترسون بولاية نيوجيرسي، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات المسلمة في الولايات المتحدة، تبدو هذه المخاوف أكثر وضوحاً. فالمدينة التي تُعرف بكثافة جاليتها العربية والمسلمة، تشهد هذا العام تراجعاً في بعض مظاهر الاحتفال الجماعي برمضان، نتيجة القلق المتزايد بين أفراد المجتمع.
وتقول حنين العطيات، وهي شابة أمريكية من أصول فلسطينية وأردنية، إن الكثير من العائلات باتت مترددة في حضور التجمعات الرمضانية في المساجد أو المشاركة في الفعاليات الاجتماعية. وترى أن الخوف من مداهمات سلطات الهجرة أصبح عاملاً حاضراً في حياة الكثير من المسلمين، خاصة أولئك الذين لديهم أقارب أو معارف من المهاجرين أو طالبي اللجوء.
تراجع موائد الإفطار الجماعية
ولا تقتصر هذه المخاوف على نيوجيرسي فقط، بل تمتد إلى ولايات أخرى مثل مينيسوتا، التي تضم أيضاً جالية مسلمة كبيرة. فهناك، يقول الإمام يوسف عبد الله إن رمضان جاء هذا العام في وقت تشهد فيه المجتمعات المسلمة ضغوطاً اقتصادية ونفسية كبيرة.
وفي مركز أبو بكر الصديق الإسلامي في مدينة مينيابوليس، تم تقليص الإفطار الجماعي إلى تقديم التمر والماء فقط، بعد أن كانت الموائد الرمضانية تجمع مئات الصائمين يومياً. ويؤكد القائمون على المركز أن هذا القرار جاء نتيجة انخفاض المشاركة وتراجع الموارد المالية.
الخوف ما زال يلازم بعض المهاجرين
يرى قادة المجتمع أن الخوف لا يزال حاضراً لدى بعض المهاجرين، حتى بعد تقليص بعض الحملات الأمنية. فالكثير من طالبي اللجوء واللاجئين لا يزالون يتجنبون الظهور في الأماكن العامة أو حضور الصلاة في المساجد، خشية التعرض لإجراءات قانونية قد تؤثر على أوضاعهم.
حملات توعية قانونية للمسلمين
في محاولة للتعامل مع هذه المخاوف، بدأت عدة منظمات إسلامية في الولايات المتحدة بإصدار إرشادات للمساجد والأئمة حول كيفية التعامل مع قضايا الهجرة والحقوق القانونية للمسلمين. وتهدف هذه المبادرات إلى مساعدة المجتمعات المحلية على فهم حقوقها القانونية والتعامل مع أي إجراءات حكومية دون إثارة الذعر.
وتوضح داليا طه، وهي مسؤولة في إحدى المنظمات الإسلامية الوطنية، أن العديد من الأئمة يواجهون أسئلة متكررة من المصلين حول ما إذا كانت المساجد قد تتعرض لعمليات تفتيش أو مداهمات من قبل السلطات، لذلك يتم تقديم معلومات قانونية أساسية تساعد على طمأنة المجتمع.
تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين في السياسة
لكن التحديات التي تواجه المسلمين في الولايات المتحدة لا تقتصر على قضايا الهجرة فقط، إذ يشير قادة المجتمع إلى تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين في بعض الحملات الانتخابية هذا العام. ويقول ناشطون إن بعض السياسيين يستخدمون قضايا الهوية والدين كوسيلة لحشد الدعم السياسي، ما يؤدي إلى زيادة حدة الإسلاموفوبيا في الخطاب العام.
وفي ولاية تكساس على سبيل المثال، أثارت تصريحات بعض المسؤولين السياسيين حول مشاريع سكنية للمسلمين جدلاً واسعاً، حيث اعتبرها قادة المجتمع محاولة لتأجيج المخاوف تجاه المسلمين.
قلق على الأهل في مناطق الصراع
إلى جانب هذه التحديات الداخلية، يواجه المسلمون الأمريكيون أيضاً قلقاً متزايداً بشأن الأوضاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يعيش العديد من أقاربهم في مناطق تشهد صراعات وأزمات إنسانية.
ويقول كثير من أبناء الجاليات العربية إنهم يعيشون حالة من القلق المستمر على أفراد عائلاتهم في الخارج، خصوصاً في ظل استمرار الأزمات في المنطقة.
رمضان يعزز روح التضامن والأمل
ورغم كل هذه التحديات، يؤكد قادة المجتمع أن شهر رمضان لا يزال يمثل فرصة لتعزيز روح التضامن والتكافل بين المسلمين. ففي العديد من المساجد، يواصل المتطوعون تنظيم الأنشطة الخيرية وتقديم المساعدات للأسر المحتاجة، في محاولة للحفاظ على القيم الأساسية التي يحملها هذا الشهر المبارك.
ويرى بعض القادة المحليين أن هذه الظروف الصعبة عززت أيضاً شعور الانتماء داخل المجتمع، حيث يسعى الناس إلى دعم بعضهم البعض بشكل أكبر من المعتاد.
الإيمان والصمود في مواجهة التحديات
في نهاية المطاف، يحاول المسلمون في الولايات المتحدة التمسك بروح رمضان رغم الضغوط السياسية والاجتماعية المتزايدة. وبين القلق والخوف من جهة، والأمل والتضامن من جهة أخرى، يستمر هذا الشهر الفضيل في تذكيرهم بأهمية الإيمان والصمود في مواجهة التحديات.


