لم يعد ممكناً التعامل مع التحول في خطاب صندوق النقد الدولي باعتباره دليلاً على مراجعة حقيقية لسياساته، بقدر ما يبدو إعادة صياغة لغوية لنهج قديم. فمنذ أكثر من عقد، يتبنى الصندوق مفردات جديدة عن العدالة الضريبية، ويدعو—نظرياً—إلى تحميل الأثرياء نصيباً أكبر من الأعباء، بل وأبدى انفتاحاً على ضرائب الثروة خلال جائحة كوفيد-19. لكن عند الانتقال من الخطاب إلى التطبيق، تتكشف صورة مختلفة تماماً، صورة لا تتعلق بتناقض عابر، بل ببنية متماسكة من السياسات التي تعيد إنتاج اللامساواة بدل الحد منها.
هذا الاستنتاج لا يأتي من قراءة انطباعية، بل من تحليل واسع قدمه تقرير صادر عن Oxfam، اعتمد على مئات التقارير الرسمية التي يصدرها الصندوق في إطار مشاوراته مع الدول. ما يكشفه هذا التحليل هو أن ما يبدو خطاباً تقدمياً في الظاهر، لا ينعكس في التوصيات الفعلية التي تُقدّم للحكومات، حيث تستمر الغلبة لسياسات ضريبية تراجعية تنقل العبء بعيداً عن القادرين وتلقي به على كاهل الفئات الأضعف.
في قلب هذه المفارقة، تبرز طبيعة الضرائب التي يدفع الصندوق باتجاهها. فبدلاً من التركيز على الضرائب المباشرة التي تستهدف الدخل المرتفع والثروة، تميل التوصيات إلى الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة وضرائب الاستهلاك والطاقة. هذه الأدوات قد تكون فعالة في تعبئة الإيرادات، لكنها بطبيعتها لا تميز بين غني وفقير، بل تصيب الجميع، لتصبح أكثر قسوة كلما انخفض الدخل. وهنا تحديداً يتجلى جوهر الإشكالية: الكفاءة المالية تُقدَّم على العدالة الاجتماعية، وكأن الأخيرة رفاهية يمكن تأجيلها.
ولا يتوقف الأمر عند نوع الضرائب، بل يمتد إلى طبيعة الإصلاحات نفسها. فالصندوق لا يدفع باتجاه إعادة هيكلة الأنظمة الضريبية بشكل جذري، بل يفضل تحسين ما هو قائم، أي تعزيز التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية داخل الإطار نفسه. هذا النهج يبدو تقنياً ومحايداً في ظاهره، لكنه عملياً يكرّس التوازنات القائمة، حيث تبقى الثروات الكبيرة خارج نطاق الاستهداف الحقيقي، بينما يُطلب من بقية المجتمع تحمل المزيد. لذلك لا يبدو غريباً أن تظل ضرائب صافي الثروة هامشية في توصيات الصندوق، رغم تصاعد الحديث العالمي عنها.
المفارقة الأكثر حدة تظهر عند مقارنة ما يُنصح به في الدول الغنية بما يُفرض على الدول النامية. ففي الأولى، يميل الخطاب إلى قدر من التصاعدية، وتظهر إشارات إلى العدالة وإعادة التوزيع، بينما في الثانية تصبح الأولوية شبه المطلقة لتعبئة الإيرادات، حتى لو جاء ذلك عبر سياسات تراجعية. بهذا المعنى، لا نتحدث فقط عن اختلاف في السياسات، بل عن نظام مزدوج يعيد إنتاج الفوارق بين الشمال والجنوب، حيث تتحمل الاقتصادات الأضعف العبء الأكبر دون أن تمتلك الأدوات الكافية لتخفيف أثره.
الأكثر دلالة أن قضية اللامساواة نفسها، رغم حضورها الكثيف في أدبيات الصندوق، تكاد تغيب عن توصياته العملية. فهي تُذكر بوصفها تحدياً عاماً، لكنها نادراً ما تتحول إلى معيار حاسم في تصميم السياسات. وهنا يصبح الحديث عن العدالة أقرب إلى إطار تفسيري يرافق القرارات، لا محركاً لها. والنتيجة أن السياسات تُصاغ وفق أولويات واضحة: استقرار مالي سريع، ضبط للعجز، وطمأنة للأسواق، حتى لو جاء ذلك على حساب التوازن الاجتماعي.
يمتد هذا القصور أيضاً إلى أبعاد أخرى مثل المساواة بين الجنسين، التي تظهر بشكل محدود وسطحي، غالباً في صورة حوافز لزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، دون الاقتراب من البنية الضريبية ذاتها التي تساهم في إنتاج الفجوة. وهو ما يعكس مرة أخرى أن المعالجة تظل جزئية، تركز على النتائج لا على الأسباب.
في ضوء كل ذلك، يصبح من الصعب اعتبار ما يحدث مجرد فجوة بين النية والتطبيق. الأقرب إلى الواقع أن هناك منطقاً يحكم هذه السياسات، منطق يضع تعبئة الموارد في المقدمة، ويؤجل العدالة إلى الهامش. فالضرائب، في النهاية، ليست مجرد أداة مالية، بل وسيلة لإعادة توزيع القوة داخل المجتمع. وحين تُصمم بهذا الشكل، فإنها لا تعكس فقط اختيارات اقتصادية، بل تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية نفسها.
هنا تحديداً تكمن الصدمة الحقيقية التي يكشفها التقرير: أن اللامساواة التي يُعلن الصندوق قلقه منها، ليست نتيجة جانبية غير مقصودة، بل مآل طبيعي لسياسات تُعطي الأولوية للاستقرار المالي كما تراه الأسواق، لا كما تحتاجه المجتمعات. وبذلك لا يعود السؤال ما إذا كانت هذه السياسات ناجحة أو فاشلة، بل لأي غرض صُممت منذ البداية، ومن يدفع ثمنها في النهاية.


