روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«بَدَأَ الإسلامُ غريبًا، وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غريبًا، فطُوبَى للغُرَبَاءِ».
حتماً يكون الواقع كما علم الله وقدَّر، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غريبًا».
جملةٌ مباركة من أعظم وأحكم أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
من توابع الغُربة ومظاهرها:
انتشار الكذب والجحود والخِسَّة واللؤم، وقلَّة الوفاء، والغدر، وسوء النيَّة والطويَّة، حتى يصبح أهل الإصلاح والدين في غربةٍ كاملة، ليس لها إلا ربُّ العالمين سبحانه، الذي ينعم على البشرية بالخلاص رحمةً منه سبحانه وتعالى.
فالله حليم كريم، ولو ترك كيد ومكر أهل المكر لأهلكوا المسلمين، وسبحان من يُبطل كيد المجرمين بمكره سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين.
حتماً يعيش دعاة الربانية الغُربةَ كاملةً بين أمواج تيه الجاهلية العَلمانية الفاشية المدمِّرة للنص وفهمه ومنهجية التعامل معه.
وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غريبًا:
ينتكس أهل الواقع حتى يفسد العقلُ — وهو أداة التلقِّي — ويتحكَّم الهوى في النفوس، فتنقلب المفاهيم وتتبدَّل أحوال القلوب، فتستقرُّ الردَّة الأخلاقية بعيدًا عن قيم الصدق والوفاء والنبل والمروءة.
حينها يتحوَّل البشر إلى طواغيت محاربين لأهل الدين والصلاح، بل يكونون أسوأ حالًا من أهل الجاهلية الأولى الذين صدقوا ولم يكذبوا رغم كفرهم أو شركهم وعدائهم لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم.
بخلاف الأجيال المعاصرة التي — للأسف — لها أسماء إسلامية، وتحمل رصيدًا من الثقافة المعرفية اللسانية الإسلامية، ومع ذلك في الواقع تجد الانتكاسةَ والردةَ الأخلاقيةَ والسقوطَ في منحدر الغدر وجُبِّ الجحود للفضل وأهل الفضل بادياً.
وهذا الصنف من البشر أسوأ حالًا، وأخسُّ الناس طبعًا، وأشأم القلوب فهمًا، لكونهم فقدوا أدبيات التوافق مع أهل الدين والصلاح، حتى فهموا سُبُل النجاة فهمًا مخالفًا، فجعلوها هلاكًا يجب هجره، وهو عين النجاة لهم إذا فهموا، وعين التزكية لهم إذا ارتقوا.
إلى كل مبتلى بسفيهٍ جحود:
كن على يقينٍ من أن الله يسمع ويرى، وأنه سبحانه وتعالى ما سلَّط السفهاء عليك إلا بعد أن جعلهم خدمًا لشياطينهم وجاهليتهم، حتى عشقوا التيه جهلًا، والانتكاسة طبعًا.
فلم يكن ينقصهم إلا الكذب والتشويه في أهل الدين والصلاح، ليظهر خبيثُ نطقهم مُعلِنًا عن مكنون نفوسهم، توهُّمًا منهم أنهم يُصيبون الصالحين حزنًا أو يُشغلون قلوبهم تشغيبًا.
ولكن هيهات! فقلوب الصالحين لها جنَّة، لو علمها أبناء الملوك لقاتلوهم عليها.
فلا تنتبه لسفاهة سفيه، ولا لعقل عُتُلٍّ زنيم، بل افرح طربًا بقلوبهم، وارقص سعادةً مع علوِّ همَّتهم وشدَّة عزلتهم عن باغٍ باع نفسَه للجهل، وقلبَه للحقد، ولسانه لسوء النطق.


