تتسم لحظات الأزمات الكبرى عادة بارتفاع منسوب الخطابات التصعيدية لدى النخب الحاكمة، كما هو الحال في خطاب الجنرال عبد الرحمن تشياني رئيس النيجر بشأن ما وصفه بـ”مؤامرة إمبريالية” تستهدف الساحل.
وقد حملت كلماته بحسب الخبير في الشئون الإفريقية سلطان البان اتهامات واضحة لفرنسا وخططًا مزعومة لتقسيم مالي وبسط النفوذ فوق النيجر وبوركينا فاسو، في وقت تشهد فيه المنطقة تدهورًا أمنيًا وسياسيًا حادًا.
وقد جاء خطاب تياني أمام القوات المسلحة كرسالة مزدوجة، داخلية وخارجية. داخليًا، هو محاولة لتوحيد الجبهة من خلال الإيحاء بوجود تهديد خارجي وتقديم القيادة الانتقالية كدرع حماية للوطن.

وخارجيًا، يمثل استمرارًا لمسلسل تحميل فرنسا مسؤولية تعثر الأمن في دول التحالف العسكري (النيجر، مالي، بوركينا فاسو) منذ انقلابات 2023.
ويمكن وفقا لتغريدة البان علي منصة “إكس ” تأطير اتهامات تياني الجديدة ضمن سردية لطالما اعتمدتها الأنظمة العسكرية بالمنطقة: تبرير الإخفاقات في التصدي للمتمردين والجماعات المتشددة عبر تسليط الضوء على التدخلات الأجنبية والمؤامرات الخارجية.
وتبدو مزاعم وجود “خطة لتقسيم مالي إلى أربع إمارات” أو اجتماع سري لدعم تمرد عابر للحدود غير موثقة حتى الآن بمصادر مستقلة. لكن تثير هذه الادعاءات أسئلة جدية حول:
1-مدى توظيف كلام تياني لتغطية الأزمة الداخلية في النيجر والمأزق الأمني الإقليمي.
2-استخدام “المؤامرة الخارجية” لتبرير تأخر أو قصور الأداء العسكري أمام زحف الجماعات المتطرفة على مناطق شاسعة من بوركينا فاسو ومالي وحتى أجزاء من النيجر.
3-أثر هذه السردية على متانة التحالفات المحلية وحالة التوافق الشعبي، وسط انتقادات المعارضة التي ترى تضاربًا واضحًا في خطاب القيادة حول فشل “المتآمرين” في خنق مالي اقتصاديًا رغم استمرار أزمة المحروقات والهجمات.

وعاد البان للقول :رغم إعلان الجنرال تياني عن جاهزية قوة الساحل المشتركة للعمل الفعلي، إلا أن التقارير المحلية تشير إلى ضعف حضورها الميداني إلى اليوم. ازدادت المخاوف من انهيار أمني شامل، خاصة مع خسارة النيجر السيطرة على خُمس أراضيها واستمرار تمدد الجماعات المتشددة.
يضع هذا الواقع دول الساحل أمام تحدٍ مركب: الحاجة الملحّة لمراجعة عقيدة الأمن الجماعي وأدوات التنسيق العملياتي، بدل الاقتصار على الخطابات التعبوية والاتهامات الدبلوماسية.
منذ 2023، مثّل طرد القوات الفرنسية من منطقة الساحل نقطة مفصلية في التحولات الجيوسياسية، وأدى إلى فراغ أمني فتح المجال أمام قوى بديلة (روسيا، الفاغنر، تركيا) والسماح للجماعات المسلحة بتوسيع نفوذها. لكن التحالفات العسكرية الجديدة لم تفلح بعد في إبطاء وتيرة الانهيار الأمني أو استعادة الثقة الشعبية.
يكشف خطاب الرئيس النيجري الجنرال تشياني عن مزج بين إدارة الأزمات بسردية المؤامرة الخارجية وأزمة شرعية داخلية، ويؤشر في الوقت ذاته إلى مأزق أمني لا يبدو أن وسائل معالجته متاحة حاليًا.
ويبقى مستقبل منطقة الساحل مرهونًا بمدى قدرة القيادات الانتقالية على تحصين جبهتها الداخلية واعتماد مقاربات أمنية واقتصادية أكثر شمولية وواقعية بدلاً من الاقتصار على الاتهامات المتبادلة والتبريرات السياسية


