العنوان: السامريون الأشرار – الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتجدّد العالم النامي
المؤلف: ها-جون تشانغ
الترجمة: أحمد شافعي
في كتابه الجريء والمثير للجدل «السامريون الأشرار» (Bad Samaritans)، يقدّم الاقتصادي الكوري الجنوبي ها-جون تشانغ قراءة ناقدة للنظام الاقتصادي العالمي، كاشفًا عن الوجه الحقيقي لما تفعله الدول الغنية حين تقدم “النصائح” للدول الفقيرة باسم التنمية والليبرالية والحرية الاقتصادية.
الكتاب، الذي ترجمه إلى العربية أحمد شافعي وصدر عن دار كلمة، يُعَدّ من أبرز كتب الاقتصاد السياسي في العقدين الأخيرين، ويقلب المسلمات السائدة رأسًا على عقب، خصوصًا تلك التي يروّجها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات العولمة الكبرى.
من هم “السامريون الأشرار”؟
العنوان يحمل مفارقة مقصودة.
الـ”سامريون” في التراث المسيحي هم رمز الخير والرحمة، نسبة إلى قصة “السامري الصالح” الذي ساعد جريحًا مجهولًا في الطريق. لكن “تشانغ” يقلب الصورة رأسًا على عقب؛ فـالسامريون الأشرار عنده هم الدول الغنية الغربية التي تتظاهر بالخير بينما تفرض سياسات اقتصادية تدمّر فرص التنمية في العالم النامي.
إنهم، بتعبير الكاتب، “ينصحون الدول الفقيرة بما لم يفعلوه هم حين كانوا فقراء”، ويطالبونها بفتح أسواقها وخصخصة مؤسساتها ووقف الدعم الحكومي، بينما بنوا هم ثرواتهم عبر الحمائية والتدخل الحكومي والدعم الصناعي المكثف.
الفكرة الجوهرية: التاريخ الاقتصادي خُدع مرتين
يرى “تشانغ” أن تاريخ التنمية في الغرب نفسه ينقض ما يروّجه الغرب الآن.
فالولايات المتحدة وبريطانيا، على سبيل المثال، لم تصبحا غنيتين بالأسواق الحرة، بل عبر حماية صناعاتهما الناشئة بضرائب جمركية عالية ودعم حكومي طويل الأمد.
لكن بعد أن اشتدت عودهما، بدأتا “بركل السلم” الذي صعدتا عليه، أي حرمان الدول الفقيرة من استخدام الأدوات ذاتها بحجة “الحرية الاقتصادية”.
يقول “تشانغ” في أحد أشهر مقولاته:
«لقد أصبح العالم الغني ما هو عليه اليوم بفضل ما يمنعنا الآن من فعله».
هيكل الكتاب وأبرز فصوله
يتألف الكتاب من عشرة فصول، تُبنى كمناظرة بين أفكار الاقتصاد الكلاسيكي الجديد (النيوليبرالي) وتجارب التنمية الواقعية.
من أبرزها:
1- لماذا لا تعمل “الوصفات الجاهزة”؟
يكشف الكاتب زيف فكرة أن التجارة الحرة وحدها كافية للنهوض الاقتصادي، مؤكدًا أن النجاح يتطلب دولة قوية وموجهة.
2- خرافة الشركات متعددة الجنسيات كمنقذٍ للفقراء
حيث يبيّن كيف تحوّل الاستثمار الأجنبي في كثير من الأحيان إلى وسيلة لاحتكار الأسواق ونهب الموارد.
3- التعليم ليس كل شيء
في هذا الفصل الصادم، يوضح أن التعليم مهم، لكن لا قيمة له بدون سياسات اقتصادية تحمي الإنتاج المحلي.
4- التجارب الآسيوية.. حين فازت الحمائية على الليبرالية
يعرض نماذج كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة، مؤكدًا أن نهوضها لم يكن بفضل “النصائح الغربية”، بل رغمها.
نقد العولمة من الداخل
ما يميز “ها-جون تشانغ” أنه ليس معاديًا للغرب، بل اقتصادي من قلب النظام الرأسمالي، درس في جامعة كامبريدج ويعمل مستشارًا لهيئات دولية.
لكن تجربته الكورية جعلته يرى كيف أن التحرر الاقتصادي المبكر كان سيدمّر بلاده لو اتبعته في خمسينيات القرن الماضي.
يقول في أحد تصريحاته:
«لو فتحنا أسواقنا كما أراد البنك الدولي، لكانت كوريا اليوم تصنع الملابس الرخيصة، لا الهواتف الذكية والسيارات».
البعد الإنساني والسياسي
الكتاب لا يقدّم تحليلًا اقتصاديًا فقط، بل مرافعة أخلاقية ضد النفاق العالمي.
فهو يدعو الدول النامية إلى الجرأة في الدفاع عن حقها في التنمية المستقلة، وإلى قراءة التاريخ بدلاً من تصديق المانحين.
ويرى أن المساعدات الدولية غالبًا ما تكون أداة للهيمنة أكثر منها وسيلة للعون.
أهم ما قاله الكاتب
«الحرية الاقتصادية ليست هدفًا، بل وسيلة، وحين تُقدَّم كغاية تتحول إلى قيد جديد على الفقراء».
«الدول الغنية تتصرف كأطباء يصفون للمرضى ما لا يأخذونه لأنفسهم».
«كل أمة ناجحة هي أمة خالفت النصائح الاقتصادية في بدايتها».
القيمة الفكرية للكتاب
يُعتبر “السامريون الأشرار” من الكتب المؤسسة لمدرسة الاقتصاد النقدي الجديد، التي ترى أن السوق وحده لا يكفي لبناء الأمم، وأن الدولة التنموية هي القلب النابض لأي مشروع نهضة حقيقي.
كما يُعيد الكتاب الاعتبار إلى مفاهيم الاستقلال الاقتصادي والعدالة العالمية في مواجهة النيوليبرالية المتوحشة.
هذا الكتاب
كتاب “السامريون الأشرار” ليس مجرد نقد للعولمة، بل صرخة فكرية من العالم الثالث تطالب بحق الشعوب في اختيار طريقها نحو التقدم دون وصاية من أحد.
وهو في جوهره دعوة صريحة إلى أن نتعلم من تجاربنا لا من أوامر الآخرين، وأن نفهم أن “الخير” القادم من الدول الغنية ليس دائمًا بريئًا.


