“تاريخ الشعوب العربية” هو العمل الأشهر والأكثر تأثيراً للمؤرخ البريطاني من أصل لبناني ألبرت حبيب حوراني (1915-1993).
صدر الكتاب لأول مرة باللغة الإنجليزية عام 1991، ويُعد مرجعاً أكاديمياً معتمداً في العديد من الجامعات العالمية.
يقدم الكتاب سرداً تاريخياً شاملاً للأقطار الناطقة بالعربية في العالم الإسلامي، منذ فجر الإسلام وحتى أواخر القرن العشرين، مع تركيز خاص على البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شكلت حياة الشعوب، متجاوزاً بذلك السرد السياسي التقليدي الذي يهتم فقط بالملوك والأمراء والحروب.
يتوفر الكتاب في طبعة عربية صادرة عن دار نوفل، وقد قام بترجمته كريم عزقول، ويقع في نحو 688 صفحة.
مقدمة
في عالمنا الإسلامي المعتدل، نحن بحاجة إلى قراءة التاريخ بعين ناقدة وبصيرة ثاقبة، لا بعين ساذجة تلتقط كل ما يكتبه المستشرقون دون تمحيص، ولا بعين منغلقة ترفض كل ما يأتي من الآخر.
كتاب “تاريخ الشعوب العربية” لحوراني يقع في منطقة وسطى مثيرة للاهتمام؛ فهو مؤرخ غربي أكاديمي، ولكنه من أصل عربي لبناني، وقد عاش حياته العلمية بين جامعات بريطانيا العريقة مثل أكسفورد، وبين جامعات لبنان والولايات المتحدة.
هذه الخلفية المزدوجة تجعل كتابه مثيراً للجدل أحياناً، ومفيداً في أحيان كثيرة، فهو يحاول أن يقدم تاريخ العرب “من الداخل”، كما يرى بعض النقاد، بدلاً من النظرة الاستشراقية السائدة التي كانت ترى العرب مجرد قبائل متناحرة أو رعايا لإمبراطوريات عظمى.
ومع ذلك، وكما هو الحال مع أي عمل بشري، فإن هذا الكتاب ليس قرآناً منزلاً، بل هو اجتهاد بشري يحتمل الصواب والخطأ، ويحتاج من القارئ المسلم إلى وعي نقدي، يميز بين ما هو وصف تاريخي موضوعي، وما هو تحليل قد يحمل في طياته نظرة علمانية أو غربية لم تنسجم تماماً مع منظومة القيم الإسلامية.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
يقدم حوراني في هذا الكتاب رحلة عبر ثلاثة عشر قرناً من تاريخ العرب والمسلمين، بدءاً من الجزيرة العربية قبل الإسلام، مروراً بظهور الدعوة الإسلامية والفتوحات الكبرى، ثم العصرين الأموي والعباسي وما شهده من ازدهار حضاري وعلمي، وصولاً إلى عصور التفكك السياسي والدويلات المتعاقبة كالسلاجقة والمماليك والعثمانيين.
ولا يكتفي المؤلف بسرد الأحداث السياسية، بل يغوص في تفاصيل الحياة اليومية للناس؛ في الأسواق والمساجد والقرى والمدن، ويتحدث عن الفلاحين والبدو والتجار والعلماء والنساء والأقليات الدينية، محاولاً رسم صورة متكاملة للمجتمع العربي المسلم في استمراريته وتغيراته عبر القرون.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
ينقسم الكتاب إلى خمسة أجزاء رئيسية تضم ستة وعشرين فصلاً، تغطي فترات تاريخية كبرى.
الجزء الأول: تكوين عالم الإسلام (القرن السابع إلى العاشر)، ويتناول فيه المؤلف العالم القديم قبيل الإسلام، والصراع بين البيزنطيين والساسانيين، ثم ظهور الإسلام والفتوحات، وتأسيس الدولة الأموية والعباسية، وتشكل المذاهب الفقهية والعلوم والفلسفة.
الجزء الثاني: المجتمع العربي المسلم (القرن الحادي عشر إلى الخامس عشر)، ويركز على تعدد مراكز السلطة، وصعود الأتراك والفرس، وتحليل العلاقة بين الريف والمدينة، ودور القبيلة، والحياة في المدن الكبرى كالقاهرة ودمشق وبغداد.
الجزء الثالث والرابع والخامس: يغطي العصر العثماني، ثم بداية السيطرة الأوروبية على العالم العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأخيراً واقع الدول العربية بعد الاستقلال، وتحديات الحداثة والهوية.
ومن أبرز ما يميز الكتاب هو الفصل الخاص بالحياة المدنية والأسواق، حيث يصف حوراني المدن العربية الكبرى بأنها كانت مراكز للإشعاع الثقافي والاقتصادي، وضمّت طبقات من التجار والعلماء والقضاة والحرفيين، وعاشت فيها أقليات غير مسلمة تمتعت بحماية “أهل الذمة” وشاركت في الحياة الاقتصادية والثقافية.
اقتباسات من الكتاب
يقول حوراني في مقدمة كتابه موضحاً منهجه: “موضوع هذا الكتاب هو تاريخ الأقطار الناطقة بالعربية في العالم الإسلامي، منذ ظهور الإسلام حتى يومنا هذا، غير أنني اضطررت، خلال بعض الفترات، أن أتخطى هذا الموضوع، كما فعلت عند دراستي العهود المبكرة للخلافة وتاريخها، أو عندما درست الإمبراطورية العثمانية، أو توسع التجارة الأوروبية، وامتداد نفوذ أوروبا”.
ويضيف موضحاً سبب اختياره لهذا الإطار: “آمل في أن يبين الكتاب أن ثمة وحدة كافية في التجارب التاريخية بين الأقطار المختلفة التي تشملها هذه التجارب تمكنا من التفكير فيها والتعبير عنها ضمن إطار واحد”.
وفي سياق حديثه عن وحدة العالم العربي قديماً، يورد حوراني مثالاً طريفاً عن أسرة من جنوب الجزيرة العربية هاجرت إلى إسبانيا، وعادت بعد ستة قرون إلى مناطق قريبة من موطنها الأصلي، دون أن تبارح بيئة مألوفة، ليستنتج أن “ذلك العالم كان يشكل وحدة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ في مجموع ذلك العالم كانت اللغة العربية تفتح أبواب أعلى الوظائف والمواقع المؤثرة”.
أهم أقوال الكتاب
من أهم الأفكار التي يطرحها حوراني فكرة “الاستمرارية والتغيير”، فهو يرى أن التاريخ العربي ليس مجرد تعاقب للسلالات الحاكمة، بل هو نسيج متصل من التجارب الإنسانية التي تحافظ على هويتها الأساسية رغم تغير الظروف.
ويؤكد الكتاب على أن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن حضارة معزولة، بل كانت جسراً يربط بين حضارات العالم القديم، استوعبت العلوم اليونانية والفارسية والهندية وهضمتها وأضافت إليها.
كما يشير حوراني إلى أن مفهوم “العروبة” بالمعنى القومي الحديث هو مفهوم حديث نسبياً، تشكل في القرن العشرين في مواجهة الاستعمار، بينما كانت الرابطة الأساسية في العصور الوسطى هي الرابطة الدينية والثقافية واللغوية.
أهمية الكتاب
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يقدم رؤية شاملة ومتكاملة للتاريخ العربي، لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية.
وهو يعد من أفضل الكتب التي تشرح للقارئ الغربي والعربي على حد سواء كيف كانت المجتمعات العربية تعيش وتتطور، بعيداً عن الصور النمطية والاختزالية.
كما أن اعتماد الجامعات العالمية عليه كمرجع أساسي يدل على قيمته العلمية والأكاديمية الكبيرة.
نقد الكتاب
من أهم المآخذ التي تؤخذ على الكتاب من وجهة نظر إسلامية، أنه قد يقلل من أهمية بعض الجوانب العقائدية والإيمانية في صناعة التاريخ، ويميل أكثر نحو التحليل المادي والاجتماعي.
فمثلاً، عند حديثه عن الفتوحات الإسلامية، قد يركز على العوامل الاقتصادية والسياسية (كإرهاق الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية)، أكثر من تركيزه على الباعث الإيماني والديني الذي كان الدافع الأول للمسلمين الأوائل.
كما أن بعض النقاد قد أشاروا إلى أن الكتاب قد أهمل تأثير الحروب الصليبية على المنطقة العربية بشكل كافٍ، رغم أهميتها البالغة في تلك الفترة.
ومن ناحية أخرى، فإن حوراني مؤرخ علماني، وبالتالي فإن تفسيره لبعض الظواهر الدينية قد يبتعد عن التفسير الإسلامي الصحيح، وهذا أمر يجب أن ينتبه إليه القارئ المسلم.
كتب مشابهة
من الكتب التي تتشابه مع هذا الكتاب في موضوعه ومنهجه، كتاب “تاريخ العرب” للمؤرخ فيليب حتي، وهو أيضاً من أصل لبناني، ويقدم سرداً تاريخياً شاملاً للعرب والمسلمين.
وهناك أيضاً كتاب “الفكر العربي في عصر النهضة” لنفس المؤلف ألبرت حوراني، والذي يكمل به الصورة التي رسمها في كتابه عن تاريخ الشعوب العربية، من خلال التركيز على الجانب الفكري والثقافي في القرنين التاسع عشر والعشرين.
ربط الكتاب بالواقع الآن
في زمننا الحاضر، حيث تتهم الأمة العربية والإسلامية أحياناً بالإرهاب والتخلف، يأتي هذا الكتاب ليثبت أن هذه الأمة كانت لقرون طويلة في طليعة الأمم في العلوم والفلسفة والطب والرياضيات والفنون.
هذا الوعي بتاريخنا المجيد يجب أن يدفعنا إلى استعادة الثقة بأنفسنا، والعمل على النهوض من جديد، لا بالبكاء على الأطلال، بل بدراسة أسباب التقدم وأسباب التأخر.
إن فهمنا للتاريخ، كما يقدمه حوراني، يساعدنا على إدراك أن مشاكلنا الحالية ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة لظروف تاريخية يمكن تجاوزها بالعلم والإيمان والعمل الصادق.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
ألبرت حبيب حوراني هو مؤرخ بريطاني من أصل لبناني، ولد في مدينة مانشستر الإنجليزية عام 1915 وتوفي عام 1993.
درس الفلسفة والسياسة والاقتصاد والتاريخ في جامعة أكسفورد، وتخرج عام 1936 وكان الأول على دفعته.
عمل في الجامعة الأمريكية في بيروت بين عامي 1937 و1939، ثم عمل خلال الحرب العالمية الثانية في المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا، وفي المكتب البريطاني لوزير الدولة في القاهرة.
درّس تاريخ الشرق الأوسط الحديث في جامعة أكسفورد حتى تقاعده عام 1979، كما حاضر في جامعات شيكاغو وبنسلفانيا وهارفارد.
من أبرز مؤلفاته إلى جانب “تاريخ الشعوب العربية”: “الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939”، و”سوريا ولبنان”، و”الأقليات في العالم العربي”، و”الإسلام في الفكر الأوروبي”.
الكتاب في ميزان الإسلام
هذا الكتاب، كأي كتاب تاريخي، لا يمكن أن يؤخذ كله أو يرد كله.
فما فيه من وصف دقيق للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمسلمين عبر العصور، هو أمر طيب ومفيد، ويدخل في باب “الحكمة ضالة المؤمن”.
أما ما فيه من تحليلات قد تتعارض مع العقيدة الإسلامية، أو تفسيرات مادية للتاريخ تغفل دور الإيمان والهداية الربانية، فإن المؤمن الحق هو الذي يقرأ بعقل ناقد، ويأخذ ما ينفعه ويدع ما يضره.
إن تاريخ أمتنا هو تاريخ عظيم، ونحن نرحب بكل من يكتب عنه بعلم وإنصاف، ولكننا نرفض كل من يحاول تشويهه أو تفسيره تفسيراً بعيداً عن حقيقته.