في الثالث عشر من مارس عام 1927، وُلد في القاهرة طفلٌ سيصبح لاحقًا “أمير شعر العامية المصرية”، لكن حياته لم تكن مستقرة على حال؛ فقد تنقّل بين المسيحية والإسلام، وبين الشيوعية والتصوف، وبين قيود المعتقل وحرية الحرف.
إنه فؤاد سليم أمين حداد، ابن الأكاديمي اللبناني الذي جاء من بلدة “عبيه” ليُدرّس الرياضيات المالية في جامعة فؤاد الأول ويحمل البكوية، وابن القاهرية ذات الأصول الشامية.
تعلّم في مدارس الفرير والليسيه الفرنسيتين، فانفتح على التراث الشعري والأدب الفرنسي معًا، ثم اختار طريق السياسة فاعتقل مرتين، وفي زنزانته تحوّل إلى الإسلام على يد رفاقه، ثم انخرط في الفكر الصوفي.
كتب في المعتقل قصيدة كل يوم ليرفع روح زملائه، وأصدر أول دواوينه باسم جريء “أفرجوا عن المسجونين السياسيين” الذي صدر عام 1952 تحت اسم “أحرار وراء القضبان”.
ترك 33 ديوانًا، وكتب كلمات المسحراتي التي لحّنها سيد مكاوي فصارت علامة رمضانية خالدة. ورحل في الأول من فبراير 1985، تاركًا جائزة تحمل اسمه تقديرًا لمسيرته.
الشاعر فؤاد حداد
(فؤاد سليم أمين حداد)
الميلاد: 13 مارس 1927م، القاهرة
الوفاة: 1 نوفمبر 1985م، القاهرة
كان والده أكاديميًا لبنانيًا يُدعى “سليم أمين حدّاد”، وُلِدَ في بلدة عبيه بجبل لبنان في أسرة مسيحية بروتستانتية لوالدين بسيطين اهتما بتعليمه
(عبيه أو «إعبيه» أو «إعبي» لفظة ذات أصول سريانية وتعني الأرض الكثيفة الشجر. ولا تزال كلمة «عَبي» في اللهجة اللبنانية تعني الكثيف)
تخرّج والده سليم أمين حداد في الجامعة الأمريكية في بيروت، متخصصاً في الرياضيات المالية ثم جاء إلى القاهرة قبيل الحرب العالمية الأولى ليعمل مدرسًا بكلية التجارة جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) ويحصل على لقب البكوية، وعندما نشأت نقابة التجاريين في مصر مُنح العضوية رقم واحد، وما زالت كتبه وجداوله تدرّس باسمه حتى الآن.
أما والدته فهي من مواليد القاهرة في 19 يونيو 1907م، جاء أجدادها الشوام الكاثوليكيون إلى مصر واستقروا فيها، ووُلد أبواها في القاهرة. (أبوها من دمشق الشام وأمها من حلب)
يقول فؤاد حدّاد عن نفسه:
أنا مصريّ من أصلٍ شاميّ/
لا يغتفر احتشامي/
هينطلق من حيشاني/
صوت الجموع المفرَد/
تعلم حداد في مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، وكانت لديه منذ الصغر رغبة قوية للمعرفة والإطلاع على التراث الشعري الذي وجده في مكتبة والده، وكذلك على الأدب الفرنسي من أثر دراسته للغة الفرنسية، واعتقل فؤاد حداد مرتين لأسباب سياسية.
بدأ فؤاد حدّاد النشاط الأدبيّ تزامناً مع نشاطه السياسيّ كشيوعيّ حتى النّخاع، عام 1944م، وهو تلميذٌ بالمدرسة، حيث كان ينشر قصائده في الدوريّات الأدبيّة والجرائد الحزبيّة، وأوّل دواوينه كان اسمه «أفرجوا عن المسجونين السياسيّين» وقد اختار هذا الاسم الجريء في تلك الفترة انطلاقاً من موقفٍ وطنيٍّ وسياسيّ واضح، وقد صدر هذا الديوان عام 1952م، تحت اسم «أحرار وراء القضبان» وبسبب الرقابة والاسم الأصليّ صار اسماً للمقدّمة.
فؤاد حداد يُعلن إسلامه
اعتُقِل فؤاد حدّاد في العهد الناصري، وتم تعذيبه بشدة والتنكيل به، كما حكي عن تجربته بعد ذلك،،
كانت المرّة الأولى، من عام 1953 إلى 1956م،
وقد أُفرجَ عنه لمدّة شهرين فقط عام 1954م، وعاد للمعتقل، ومن 1956م، حتى اعتقاله من جديد في 1959م، كتبَ كما لم يكتب من قبل، وصدر ديوانه الثاني «حنبْني السدّ»، وكتب بعدها محتفياً بكلّ حركات التحرّر الوطنيّ من كلّ أنحاء العالم.
في مدة المعتقل الأولى تحوّل «فؤاد حدّاد» إلى الإسلام.. على يد رجال الإخوان المسلمين الذين كانوا معه في المعتقل، لكنه لم ينضم للجماعة، بل انخرط في الفكر الصوفي
وظل محافظا على الصلاة، وفرائض الإسلام حتى وفاته.
تم اعتقاله للمرة الثانية سنة 1959م، واستمر خلف القضبان خمس سنوات.
وفى هذه السنوات الخمس كتبَ كثيرًا رغم التعذيب والقهر، بل تفجّرت بداخله طاقاتٌ فذّة وصنعتْ تراثاً فريداً، ففي أيّام التعذيب في معتقل العَزَب بالفيوم، قرّر أن يكتب كلّ يوم قصيدة ليرفع من الروح المعنويّة لزملائه.
لقد انتقل الشاعر فؤاد حداد من المسيحية للإسلام، ومن الشيوعية إلى الصوفية الإسلامية.
جائزة فؤاد حداد
أُنشِئت له جائزة باسمه تقديرا من الدولة لجهوده الكبيرة في شعر العامية المصرية، فهو أمير شعر العامية
مسحراتي الشعر
كتب العبقري فؤاد حداد كلمات المسحراتي، والتي لحنها الملحن سيد مكاوي، وأصبحت من أبرز علامات شهر رمضان
صدر له (33 ديوان) منها 17 ديوان أثناء حياته، والباقي بعد وفاته؛ بواسطة ابنه الشاعر أمين حداد، الذي جمع تراث والده، وما زال.
على مدار حياته، تنقّل فؤاد حدّاد بين الشيوعيّة والصوفيّة:
ياللي كفرت بالاشتراكيّة
والمكنة التشيكوسلوفاكيّة
بالتّذكرة كما بالتّزكية
بالمتشقلب بالمعدول
دلدول دلدول
كان عندي طاقيّة
طاقيّة شقيّة
من شقاوتها بقتْ طرطور
من ديوان «الحضرة الزكيّة»:
يا أهل الأمانة والنّدى والشوق/
يا مجمّعين الشمل في الحضرة الزكيّة/
أوِّل ما نبدي القول نصلّي على النّبي/
المصطفى سيّد ولد عدنان/
كان ياما كان الليل وكان الليل/
أخضر مندِّي بيسمع القرآن/
يقول عن نفسِه:
أنا والد الشّعرا فؤاد حدّاد/
أيوه أنا الوالد وياما ولاد/
وكانت آخر أبياته التي تركها على المكتب ليلة وفاته، يوم الأول نوفمبر 1985، هي الملخّص الوافي لسيرته: