في تطور قضائي بارز يعيد إحياء واحد من أكثر الملفات حساسية في التاريخ اللبناني الحديث، قرر المحقق العدلي في قضية اختفاء الإمام موسى الصدر، القاضي زاهر حمادة، إخلاء سبيل هنيبعل القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، مقابل كفالة مالية ضخمة بلغت 11 مليون دولار أميركي، مع منعه من مغادرة الأراضي اللبنانية.
القرار، الذي صدر بعد جلسة استجواب مطوّلة في قصر العدل ببيروت، يأتي بعد عقدٍ كامل من توقيف هنيبعل القذافي في لبنان، على خلفية اتهامه بإخفاء معلومات تتعلق باختفاء الإمام الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدرالدين في ليبيا عام 1978.
كفالة مثيرة للجدل
محامي القذافي، شربل الخوري، وصف الكفالة بأنها “تعجيزية ومستحيلة التنفيذ”، مؤكداً أن فريق الدفاع سيقدّم طلباً لإلغائها، باعتبارها لا تتناسب مع الوضع القانوني والإنساني لموكله. وأضاف في تصريحات لـ”بي بي سي” أن استمرار منع موكله من السفر يُبقيه “رهينة لملف سياسي أكثر منه قضائي”.
ويُعد القرار أول خطوة عملية نحو الإفراج الفعلي عن هنيبعل منذ عام 2015، حين أوقف في لبنان بظروف غامضة عقب عملية اختطاف في منطقة بعلبك، انتهت بتسليمه لقوى الأمن الداخلي اللبنانية.
خلفية الاعتقال الطويل
هنيبعل، المولود عام 1975، هو الابن الرابع لمعمر القذافي من زوجته صفية فركاش. بعد سقوط نظام والده عام 2011، لجأ إلى الجزائر ثم إلى سلطنة عمان حيث عاش تحت الإقامة الجبرية مع والدته وشقيقته عائشة.
وفي ديسمبر 2015، دخل إلى لبنان قبل أن تختطفه مجموعة مسلحة، لتسلّمه لاحقاً إلى السلطات اللبنانية، التي أوقفته بتهمة “كتم معلومات” في قضية الإمام الصدر.
ورغم أن القذافي لم يكن يتجاوز الثالثة من عمره عند وقوع حادثة اختفاء الصدر عام 1978، فقد بقي محتجزاً نحو عشر سنوات دون محاكمة فعلية، ما دفع منظمات حقوقية دولية إلى وصف احتجازه بأنه “تعسفي” و”ذو أبعاد سياسية واضحة”.
الجلسة الأولى منذ 2017
الجلسة التي عقدت صباح اليوم في بيروت هي الأولى من نوعها منذ عام 2017. حضرها فريق الدفاع عن القذافي، ومن بينهم المحامي الفرنسي لوران بايون، إضافة إلى وكلاء الادعاء عن عائلات الصدر ويعقوب وبدرالدين.
وخلال الجلسة، نفى هنيبعل القذافي امتلاكه أي معلومات عن مصير الإمام أو رفيقيه، مؤكداً أنه “كان طفلاً لا يعي شيئاً حين وقعت الحادثة”. وبعد مداولات مطوّلة، قرر القاضي حمادة إخلاء سبيله بشروط، مع استمرار خضوعه للتحقيق القضائي إلى حين صدور حكم نهائي.
ردود فعل متباينة
القرار أثار ردود فعل متباينة في لبنان. ففيما اعتبره فريق الدفاع “انتصاراً متأخراً للعدالة” بعد احتجاز غير مبرر استمر قرابة عقد من الزمن، رأت بعض الأطراف أنه يحمل أبعاداً سياسية مرتبطة بملف العلاقات اللبنانية – الليبية.
عائلة الصحافي عباس بدرالدين أعلنت موافقتها على قرار الإفراج، لكنها أبقت على ادعائها ضد القذافي، بينما التزمت عائلتا الصدر ويعقوب الصمت حتى الآن.
جدل قانوني وسياسي قديم
قضية هنيبعل القذافي كانت قد أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط القضائية والسياسية اللبنانية في السنوات الماضية. ففي عام 2019، وجّه وزير العدل اللبناني الأسبق سليم جريصاتي كتاباً إلى هيئة التفتيش القضائي طالب فيه بالتحقق من قانونية استمرار توقيف القذافي، بناء على مراسلات من اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في جنيف تتحدث عن “خروق جسيمة” في الملف.
وردّ النائب علي بزي، عضو المكتب السياسي في حركة أمل، حينها ببيان انتقد فيه خطوة الوزير وشكك في وجود أي مراسلات جديدة من الأمم المتحدة، ما عكس انقساماً سياسياً حاداً حول الملف داخل لبنان نفسه.
المطالب الليبية والسورية
من جهة أخرى، ظلت كل من طرابلس ودمشق تطالبان في أكثر من مناسبة بإعادة هنيبعل القذافي إلى بلاده، معتبرتين أن القضية “تجاوزت حدود القانون إلى ميدان الصراع السياسي”. كما تابعت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف شكوى قدمها فريق الدفاع، أكدت أن احتجازه في لبنان يخالف المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
خلفية قضية الإمام موسى الصدر
قضية اختفاء الإمام موسى الصدر لا تزال لغزاً يثير اهتمام اللبنانيين والعرب منذ أكثر من أربعة عقود. الصدر، الذي وُلد في مدينة قم الإيرانية لعائلة لبنانية، برز في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كأحد أبرز الزعماء الشيعة في لبنان، ودعا إلى العدالة الاجتماعية ورفض الطائفية، وأسّس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة “المحرومين” التي أصبحت لاحقاً نواة حركة أمل.
في أغسطس 1978، توجّه الصدر إلى ليبيا بدعوة من معمر القذافي لمحاولة التوسط في النزاع اللبناني الداخلي، لكنه اختفى بعد ستة أيام من وصوله، مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدرالدين.
السلطات الليبية حينها ادعت أنه غادر إلى روما، لكن التحقيقات الإيطالية نفت ذلك، لتتحول القضية إلى واحدة من أكثر القضايا غموضاً في العالم العربي.
محاولات الكشف عن المصير
بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، ظهرت روايات متضاربة حول مصير الصدر. بعض الشهادات تحدثت عن وجوده في سجن سري في طرابلس الليبية حتى الثمانينيات، بينما زعم صحافي لبناني أنه رأى جثة يُعتقد أنها تعود له في مشرحة بطرابلس.
تحليل لاحق أجرته جامعة برادفورد البريطانية لصورة الجثة أشار إلى “احتمال مرتفع” أن تكون للإمام الصدر، لكن السلطات اللبنانية لم تؤكد أو تنفِ تلك النتائج.
قراءة في أبعاد القرار
إخلاء سبيل هنيبعل القذافي اليوم قد لا يعني طيّ صفحة القضية، لكنه يشير إلى تحوّل في المزاج القضائي والسياسي اللبناني تجاه الملف. فبعد سنوات من الجمود، يبدو أن السلطات القضائية تسعى إلى مقاربة جديدة، تراعي الضغوط الحقوقية الدولية وتحدّ من الانتقادات بشأن طول فترة التوقيف.
غير أن الملف يبقى مفتوحاً على احتمالات عدّة، في ظل غياب أي تقدم ملموس في التحقيقات، واستمرار الانقسام اللبناني الداخلي حول المسؤوليات، إضافة إلى الوضع الليبي المعقّد الذي لا يوفر بيئة مناسبة لتعاون قضائي فاعل.
وبينما يرى البعض في القرار بداية لإغلاق الملف، يصرّ آخرون على أنه مجرد خطوة إجرائية مؤقتة لا تمسّ جوهر القضية، التي لا تزال تمثل أحد أكثر الألغاز السياسية غموضاً في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر.







