بين التضامن السياسي وأدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، تبرز تساؤلات حول قدرة القمة العربية المرتقبة التي دعا اليها الأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمروموسي للتضامن مع السعودية على حماية الرياض ووقف التصعيد واستعادة الاستقرار في اليمن، وما إذا كانت الدعوة تعكس الحاجة إلى توسيع مظلة التحرك الإقليمي.
تفتح دعوة موسى، إلى عقد اجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب في الرياض، تمهيدًا لقمة عربية طارئة، الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة النظام العربي على الانتقال من بيانات الإدانة والتضامن إلى خطوات عملية لمواجهة الاعتداءات التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية، واحتواء التصعيد المتصاعد في المنطقة.
وجاءت الدعوة، على خلفية الهجمات التي استهدفت السعودية، وفي مقدمتها الهجوم الصاروخي على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، والذي أسفر، وفق تقارير إعلامية، عن سقوط قتلى ومئات المصابينحيث موسى بموقف عربي موحد يتجاوز إدارة الأزمات بصورة منفصلة، ويمنح الدول العربية دورًا أكبر في تحديد مستقبل المنطقة.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بمجرد انعقاد القمة، وإنما بطبيعة القرارات التي يمكن أن تصدر عنها، ومدى استعداد الدول العربية لتحمل تبعات تنفيذها، في ظل تباين حساباتها السياسية والأمنية واختلاف رؤيتها لكيفية التعامل مع الأزمة اليمنية.
من بيانات التضامن لإجراءات عملية
تمتلك القمة العربية عددًا من الأدوات السياسية والدبلوماسية التي يمكن توظيفها لدعم السعودية، تبدأ بإصدار موقف جماعي واضح يرفض استهداف الأراضي السعودية والمنشآت المدنية، ويؤكد حق المملكة في حماية سيادتها وأمن مواطنيها، مع الدعوة إلى وقف الهجمات ومنع اتساع نطاق المواجهة.
غير أن فاعلية هذا الموقف ستتوقف على إمكانية ترجمته إلى آليات تنفيذية، تشمل تنسيق التحركات الدبلوماسية مع الأمم المتحدة والقوى الدولية المؤثرة، وتكثيف الاتصالات مع الأطراف الإقليمية القادرة على التأثير في مسار الصراع، إلى جانب بناء موقف عربي مشترك بشأن أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الدولية.
ويمكن للدول العربية كذلك توسيع التعاون في مجالات تبادل المعلومات والإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية، وتنسيق المساعدات الدفاعية وفق احتياجات الدول المعنية والتزاماتها القانونية. لكن أي تحرك عسكري مشترك يظل مرتبطًا باتفاقات واضحة وإرادة سياسية من الدول المشاركة، ولا ينتج تلقائيًا عن مجرد انعقاد القمة.
أوراق الدول العربية
تتمثل الورقة الأولى في الثقل الدبلوماسي العربي، الذي يمكن أن يتحول إلى ضغط دولي منسق للمطالبة بوقف الهجمات، وضمان احترام سيادة الدول، وفتح مسار تفاوضي يمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
أما الورقة الثانية فتتمثل في القدرات الاقتصادية والمالية للدول العربية، وإمكانية توظيفها لدعم الاستقرار وإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الإنسانية في اليمن، بالتوازي مع الضغط من أجل وقف الأعمال العدائية. كما يمكن للدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن تعزيز التعاون في حماية الملاحة التجارية، بما يحول دون انتقال تداعيات الصراع إلى الاقتصاد الإقليمي والدولي.
وتبرز أيضًا أهمية الوساطة السياسية، إذ تستطيع دول عربية تمتلك قنوات اتصال مع أطراف الأزمة المساهمة في فتح مفاوضات بشأن وقف إطلاق النار، وضمانات عدم الاعتداء، وترتيبات أمن الحدود، وتبادل الأسرى، واستئناف العملية السياسية اليمنية.
لكن هذه الأوراق لن تحقق نتائج مستدامة ما لم تُستخدم ضمن استراتيجية متكاملة، تجمع بين الردع الدبلوماسي والحماية الدفاعية والحوافز السياسية والاقتصادية، مع تجنب الإجراءات التي قد تزيد معاناة المدنيين أو توسع رقعة الحرب.
اليمن.. مفتاح الاستقرار الإقليمي
وفي هذا السياث لا يمكن فصل أمن السعودية عن مستقبل الأزمة اليمنية؛ فاستمرار الصراع وتعدد مراكز القوة المسلحة يتيحان تجدد المواجهات عبر الحدود، ويهددان الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
ومن ثم، فإن أي قمة عربية جادة تحتاج إلى وضع تسوية الأزمة اليمنية ضمن أولوياتها، عبر دعم مسار سياسي شامل يضم الأطراف اليمنية، ويعالج الخلافات المتعلقة بتقاسم السلطة ومستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية والموارد الاقتصادية.
ويتطلب ذلك العمل على ضمانات متبادلة لوقف الهجمات العابرة للحدود، وتوفير ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية، ومنع تحويل الأراضي اليمنية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وفي هذا السياق، سبق للتحالف الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أن أعلن التزامه بحماية الملاحة في باب المندب والتعامل مع التهديدات البحرية، وهو ما يعكس ارتباط أمن السعودية باستقرار اليمن وأمن خطوط التجارة الدولية. <Cite
فشل التحالف الثلاثي
يثير طرح القمة العربية تساؤلًا بشأن مدى كفاية التحالفات القائمة في توفير الحماية للسعودية، خصوصًا في ظل الحديث عن ترتيبات دفاعية تجمع الرياض وأنقرة وإسلام آباد.
وكانت تقارير صحفية قد أشارت إلى اتفاق دفاعي مشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وإلى مشاورات بشأن سبل التعامل مع التصعيد والتهديدات الحوثية. كما نقلت رويترز عن وزير الخارجية التركي أن بلاده تدرس تقديم دعم دفاعي للسعودية، مع استبعاد المشاركة في عمليات هجومية أو إرسال قوات لتنفيذ هجمات.
وبالتالي، لا تكفي الدعوة إلى قمة عربية وحدها للحكم بفشل هذا التحالف؛ فقد تعكس الحاجة إلى توسيع دائرة التنسيق، وتوزيع الأعباء، والاستفادة من القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية للدول العربية إلى جانب الشراكات القائمة.
وتبقى المسألة الأساسية هي قدرة هذه الترتيبات على الانتقال من التفاهمات المعلنة إلى إجراءات ملموسة، ومدى وضوح التزامات أعضائها وآليات تنفيذها.
قمة الاختبار الحقيقي
في المحصلة، لا تُقاس أهمية القمة العربية بعدد المشاركين أو قوة البيانات الختامية، بل بقدرتها على صياغة برنامج عمل محدد، يتضمن إجراءات لحماية السعودية، وآليات للضغط من أجل وقف الهجمات، وخطة سياسية قابلة للتنفيذ لإنهاء الصراع اليمني.
فإذا نجحت الدول العربية في توحيد مواقفها وربط الدعم السياسي بالتعاون الدفاعي والوساطة الدبلوماسية والمساعدات الاقتصادية، فقد تتيح القمة فرصة لإعادة تنشيط العمل العربي المشترك. أما إذا بقيت القرارات في حدود الإدانة، فستظل الفجوة قائمة بين إعلان التضامن والقدرة على التأثير في مجريات الأحداث.
وتظل الدعوة التي أطلقها عمرو موسى اختبارًا لمدى استعداد العواصم العربية للتعامل مع أمن السعودية واليمن باعتبارهما جزءًا من معادلة أمن إقليمي مترابطة، تتطلب تنسيقًا مستمرًا وحلولًا سياسية تتجاوز ردود الفعل الآنية.







