لم تعد الحروب الحديثة بحاجة إلى اجتياح العواصم كي تنتصر ولم يعد إسقاط الحكومات يتطلب بالضرورة تحريك الجيوش أو تدمير المدن فثمة حروب أكثر تعقيدا وأطول نفسا وأشد تأثيرا تدار من خلف الحدود عبر تجفيف الموارد وشل الاقتصاد واستنزاف المجتمعات حتى تتحول الحياة اليومية إلى معركة مفتوحة من أجل البقاء وهنا تتجلى استراتيجية التجفيف والإنهاك
عندما ترتفع كلفة المواجهة العسكرية المباشرة أو تصبح نتائجها غير مضمونة تتجه بعض القوى إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي باعتبارها وسيلة أقل كلفة عسكرية وأكثر امتدادا زمنيا وتقوم هذه الاستراتيجية على تضييق منافذ التمويل وتعطيل التجارة ورفع تكاليف الاستيراد وتقليص فرص الاستثمار والحد من الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الدولية
وبذلك تنتقل المواجهة من محاولة تحقيق انتصار عسكري سريع إلى استنزاف طويل الأمد يستهدف قدرة الدولة على الصمود والاستمرار
إن خسارة الإنسان تمثل إحدى أكثر نتائج الحصار تكلفة
كما أن حماية الطبقات الهشة وضمان وصول الخدمات الأساسية وإعادة بناء شبكات التضامن الاجتماعي ليست إجراءات اجتماعية منفصلة عن الأمن الوطني بل تمثل جزءا أصيلا من منظومة الاستقرار والمناعة الداخلية
فالدولة لا تفقد قوتها فقط عندما تخسر معركة عسكرية بل قد تبدأ بفقدان قدرتها على الاستمرار عندما تتراجع قدرتها على حماية مواطنيها وتفقد مؤسساتها فاعليتها ويتحول الاقتصاد من أداة للتنمية والسيادة إلى مصدر دائم للهشاشة والارتهان







