لم تكن ثورات الربيع العربي خطأً تاريخياً، ولم تكن الشعوب التي خرجت إلى الشوارع تبحث عن فوضى أو تستدعي الحروب. كانت، في جوهرها، محاولة لاستعادة السياسة من يد السلطة، والإنسان من قبضة الخوف، والدولة من ملكية الفرد والعائلة والحزب والأجهزة.
لكن المأساة لم تكن في أن الشعوب ثارت؛ بل في أن الثورة، في كثير من ساحاتها، دخلت بعد سقوط الحاجز الأول في صراع جديد: من يملك حق الحديث باسم الشعب؟ ومن يقرر نيابة عنه؟ ومن يكتب دستور المرحلة؟ ومن يوزع شرعية الثورة؟
وهنا بدأ الاغتصاب الحقيقي للربيع.
فالاستبداد لا يموت بالضرورة بسقوط المستبد. قد يموت الرجل وتبقى الفكرة، وقد يسقط القصر وتبقى عقلية القصر، وقد تتغير الراية ويبقى السؤال القديم: من يحكم الناس ومن يملك حق تعريف مصالحهم؟
لهذا فإن أخطر ما حدث بعد موجة 2011 لم يكن فقط عودة بعض الأنظمة القديمة، بل ظهور ظاهرة أكثر تعقيداً: إعادة تدوير العقل السلطوي داخل بيئات رفعت شعارات الثورة والحرية للشعوب
أسماء جديدة، وجوه جديدة، خطابات جديدة، لكن العقل السياسي نفسه وبريق الكراسي نفسه والمحسوبيات نفسها لكنها بوجوه وأسماء جديدة
كان المستبد القديم يقول: أنا الدولة.
ثم جاء من يقول: أنا المحرر.
والفارق بين الجملتين أقل مما يبدو إذا انتهى بهما الأمر إلى النتيجة ذاتها: إلغاء المجتمع، احتكار القرار، تخوين المعارض، تقديس القيادة، وتحويل الخلاف السياسي إلى جريمة أخلاقية أو وطنية.
من حرر الشعب؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بصرامة.
الشعب هو الذي خرج.
الشعب هو الذي دفع الثمن.
الشعب هو الذي فقد أبناءه وبيوته وأمنه ومستقبله.
ولهذا لا يحق لأحد أن يصادر الثورة بعد وقوعها، لا باسم الدين، ولا باسم القومية، ولا باسم السلاح، ولا باسم الأمن، ولا حتى باسم الثورة نفسها.
فالثورة ليست مؤسسة يملكها أفراد، وليست علامة تجارية سياسية، وليست تفويضاً أبدياً لقياداتها.
الثورة لحظة شعبية، أما الدولة فهي عقد دائم بين المواطن والمؤسسات.
وحين تتحول القيادة الثورية إلى طبقة مغلقة ترى نفسها فوق النقد، تبدأ الثورة في أكل أبنائها، ثم تتحول من مشروع لتحرير المجتمع إلى مشروع للسيطرة عليه.
وهنا تظهر أخطر مفارقات المرحلة: أن بعض الذين قاتلوا الديكتاتورية لم يتخلصوا دائماً من ثقافة الديكتاتورية.
أرادوا إسقاط المستبد، لكنهم احتفظوا أحياناً بمنطق المستبد.
أرادوا دولة عادلة، لكنهم أرادوا أن يكونوا هم من يعرّف العدالة.
أرادوا محاسبة أجهزة السلطة القديمة، لكنهم بنوا أحياناً أجهزة جديدة لا تقبل المحاسبة.
وهكذا يصبح السؤال أكثر قسوة:
هل كانت المشكلة في الأشخاص فقط، أم في بنية العقل السياسي التي صنعتهم؟
الديكتاتورية لا تحتاج إلى الاسم القديم
التاريخ السياسي يعلمنا أن السلطوية ليست شخصاً فقط.
إنها منظومة.
منظومة تقوم على احتكار القرار، وإضعاف المؤسسات، وتقديس القيادة، وإعادة تعريف المعارضة باعتبارها خيانة، وتحويل الإعلام إلى أداة تعبئة، والأمن إلى وسيلة لضبط المجتمع بدلاً من حماية الدولة.
ولهذا فإن تغيير الأسماء لا يعني تغيير النظام السياسي.
قد تتغير الشعارات ويبقى الاستبداد.
وقد تتغير الوجوه ويبقى الخوف.
وقد يُرفع شعار «الشعب يريد» بينما لا يُسمح للشعب بأن يقرر فعلاً.
وهنا ينبغي التفريق بين شرعية الثورة وشرعية الحكم.
من شارك في الثورة يملك حقاً في الذاكرة، لا ملكيةً أبدية للدولة.
ومن حمل السلاح دفاعاً عن مجتمعه لا يصبح تلقائياً فوق القانون.
ومن كان معارضاً للنظام القديم لا يحصل تلقائياً على حصانة أخلاقية من النقد.
هذه هي القاعدة التي تحتاجها المنطقة بعد الربيع: لا قداسة سياسية لأحد.
إيران وإسرائيل: لا يمكن بناء شرق أوسط جديد بعقلية الوكيل والخصم
لكن فشل الانتقالات العربية لم يحدث في فراغ.
فالشرق الأوسط بعد 2011 تحول إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي هائلة، وأصبحت الدول الهشة أرضاً مثالية لتوسع القوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران التي بنت نفوذها عبر شبكات سياسية وعسكرية وأمنية في أكثر من ساحة عربية.
لكن مواجهة إيران لا ينبغي أن تكون مشروعاً انتقامياً، ولا حرباً مذهبية، ولا نسخة عربية من سياسة المحاور.
المطلوب هو إنهاء منظومة النفوذ المسلح العابر للحدود، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية، واحتكارها الشرعي للسلاح، ووقف استخدام المجتمعات العربية كمساحات صراع بالوكالة.
وهذا لا يتحقق بالشعارات، بل بتسوية إقليمية كبرى تشترك فيها القوى العربية وتركيا والقوى الدولية المؤثرة، تقوم على مبدأ واضح:
لا دولة عربية تُدار من خارج حدودها، ولا ميليشيا تكون بديلاً عن الدولة، ولا قوة إقليمية تمتلك حق الفيتو على مستقبل الشعوب العربية.
وفي المقابل، فإن الوقاية من الخطر الإسرائيلي لا تكون بإنكار إسرائيل كحقيقة جيوسياسية، ولا بإلقاء المنطقة في حرب دائمة معها فهي بلاء على الدول العربية وآفة لا يمكن استئصالها لأنها تعايشت في جسد الأوطان واقتاتت من ضعفها وشتاتها وتفرقة أقلياتها العرقية والمذهبية وحتى الدينية
الأمن العربي يحتاج إلى ردع متوازن لا إلى انتحار جماعي.
فالمنطقة التي تخرج من النفوذ الإيراني لتقع تحت هيمنة إسرائيلية أو أميركية أو روسية جديدة لم تحقق استقلالها؛ إنها فقط غيرت الوكيل.
المطلوب هو نظام إقليمي جديد يمنع التوسع الإيراني، عن طريق ميليشيا عابرة للحدود بمسميات مختلفة ويمنع كذلك تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى حق مفتوح في فرض الوقائع على دول المنطقة.
وهذا يعني الانتقال من سياسة «المحور» إلى سياسة التوازن.
ومن سياسة الحرب المفتوحة إلى سياسة الردع والاتفاقات والضمانات.
ومن منطق الوكلاء إلى منطق الدول.
ما بعد الربيع: الدولة قبل الثورة
ربما يكون الدرس الأكبر الذي يجب أن تتعلمه المنطقة هو أن إسقاط النظام ليس نهاية الثورة.
إنه بداية الامتحان الأصعب.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد التماثيل التي سقطت، ولا بعدد الرؤساء الذين غادروا القصور، وإنما بقدرة المجتمع على بناء مؤسسات تمنع عودة الاستبداد أياً كان اسمه.
دستور لا يُكتب لصالح المنتصر.
جيش لا يتحول إلى حزب سياسي.
أجهزة أمن تخضع للقانون.
قضاء لا يخضع للسلطة التنفيذية.
إعلام لا يتحول إلى بوق.
انتخابات لا تكون مجرد واجهة.
ومجتمع مدني يستطيع أن يقول «لا» دون أن يخاف من السجن أو التخوين أو الإقصاء.
هذه ليست رفاهية ديمقراطية.
إنها منظومة الوقاية من عودة الديكتاتورية.
لا نحتاج ثورات جديدة بقدر ما نحتاج دولة جديدة
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الثورة وحدها لا تكفي، كما أثبتت أن القمع وحده لا يصنع الاستقرار.
والشرق الأوسط اليوم يقف أمام لحظة تاريخية مختلفة.
إيران تواجه ضغوطاً عميقة، وإسرائيل تعيش في بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، والدول العربية تبحث عن أمنها بعيداً عن الوصفات القديمة، والقوى الدولية تعيد حساباتها تجاه المنطقة. وتشير التحولات الأخيرة إلى إعادة تشكل واضحة في موازين القوة والتحالفات الإقليمية.
لكن الفراغ الذي قد ينشأ من سقوط نفوذ قوة إقليمية لا يجوز أن تملأه قوة أخرى.
فالمشكلة ليست أن يكون لدينا «منتصر جديد».
المشكلة أن نمنع المنطقة من إنتاج مستبد جديد، ووكيل جديد، ومشروع هيمنة جديد.
وهنا تحديداً يجب أن تكون المرحلة المقبلة مختلفة:
إنهاء النفوذ الإيراني المسلح، ردع التوسع الإسرائيلي، حماية الدول الوطنية، بناء ترتيبات أمنية إقليمية، وإطلاق مسار سياسي يعيد القرار إلى الشعوب ومؤسساتها.
ذلك هو المعنى الحقيقي لما بعد الربيع.
ليس أن نعيد الثورة.
بل أن نمنع اغتصابها مرة أخرى.
فالربيع العربي لم يكن وعداً بأن يصل الثوار إلى السلطة.
كان وعداً بأن يصبح الإنسان صاحب السلطة على حياته ومستقبله.
وإذا لم نفهم هذه النقطة، فسنظل نبدل أسماء الطغاة بينما نبقي الطغيان حياً.
المعركة المقبلة ليست بين ثورة وثورة، ولا بين محور ومحور؛ إنها بين من يريد شرقاً أوسطاً تحكمه الدول والشعوب، ومن يريد شرقاً أوسطاً تحكمه الوكلاء والسلاح والوصاية.
ومن هنا يبدأ التاريخ الحقيقي لما بعد الربيع.







