دخلت العلاقات بين كولومبيا وإسرائيل مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعد إعلان الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في مايو 2024، في خطوة جاءت على خلفية الحرب في قطاع غزة والانتقادات الحادة التي وجهتها الحكومة الكولومبية للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
ويُعد قرار بوغوتا من أبرز التحولات في سياسة كولومبيا الخارجية خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت تربطها بإسرائيل علاقات تعاون قوية امتدت لعقود، شملت مجالات التجارة والأمن والتعاون العسكري. لكن وصول غوستافو بيترو، المنتمي إلى التيار اليساري، إلى رئاسة البلاد عام 2022، حمل معه توجهات مختلفة في إدارة العلاقات الدولية، ركزت بشكل أكبر على قضايا حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
وأعلن بيترو في مايو 2024 أن بلاده ستنهي العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، معتبراً أن استمرار الحرب في غزة يتعارض مع المبادئ التي تتبناها حكومته. وجاء القرار بعد سلسلة من التصريحات والمواقف التي انتقد فيها الرئيس الكولومبي السياسة الإسرائيلية تجاه القطاع، كما أعلنت حكومته دعمها للتحركات القانونية الدولية المتعلقة بالحرب.
ولم تتوقف الإجراءات الكولومبية عند الجانب السياسي فقط، إذ اتجهت الحكومة إلى استخدام أدوات اقتصادية، حيث أعلن بيترو وقف صادرات الفحم إلى إسرائيل بسبب الحرب في غزة، مؤكداً أن القرار سيستمر حتى حدوث تغيير في الوضع القائم وفق موقف حكومته. وتُعد كولومبيا من الدول المهمة في تصدير الفحم، وكانت إسرائيل من الأسواق التي تستقبل كميات من الفحم الكولومبي، ما جعل القرار يحمل أبعاداً اقتصادية إلى جانب رسالته السياسية.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع تشهده أمريكا اللاتينية، حيث ظهرت خلال السنوات الماضية مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية من بعض الحكومات اليسارية في المنطقة، مع اختلاف واضح بين الدول في مستوى التصعيد وطبيعة الإجراءات المتخذة.
ويرى محللون أن موقف كولومبيا يعكس تحولاً في طريقة تعامل بعض دول الجنوب العالمي مع الأزمات الدولية، إذ لم تعد العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية منفصلة بشكل كامل عن المواقف السياسية المتعلقة بالقضايا الكبرى. في المقابل، واجه القرار الكولومبي انتقادات من الجانب الإسرائيلي، الذي اعتبر الخطوة سياسية وغير مبررة، بينما دافعت بوغوتا عن موقفها باعتباره تعبيراً عن رؤيتها للقانون الدولي وحماية المدنيين.
ورغم أن قطع العلاقات يمثل تصعيداً كبيراً، فإن مستقبل العلاقة بين الطرفين يبقى مرتبطاً بتطورات الحرب في غزة وبالتحولات السياسية داخل كولومبيا والمنطقة. فقرار بيترو لم يكن مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل أصبح جزءاً من نقاش عالمي أوسع حول حدود العلاقات الدولية ودور الدول في اتخاذ مواقف سياسية مرتبطة بالأزمات الإنسانية.
وتشير التطورات إلى أن كولومبيا أصبحت واحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية حضوراً في ملف الحرب على غزة، بعدما انتقلت من إصدار التصريحات السياسية إلى اتخاذ خطوات عملية أثرت على مسار العلاقات مع إسرائيل، وهو ما يجعل تجربتها محل متابعة دولية خلال المرحلة المقبلة.


