لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على السلطة أو نفوذ عسكري، بل تحولت إلى “محرقة وجودية” تلتهم الأخضر واليابس، مهددةً بمحو عقود من التنمية ودفع البلاد نحو “ثقب أسود” اقتصادي قد يمتد أثره حتى عام 2043.
وبينما تنشغل المدافع بالضجيج، يرسم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) صورة مرعبة لمستقبل “بلاد النيلين”، حيث يتداخل الأنين الإنساني مع الانهيار المالي، في مشهد يصفه الخبراء بأنه “اغتيال ممنهج” لمستقبل جيل كامل.
لا تبدو الأرقام مجرد إحصائيات، بل هي صرخات ملايين السودانيين الذين يواجهون الجوع والنزوح والفقر المدقع الذي بات يهدد أكثر من ثلثي السكان.
السودان بين “المسار الهش” و”السقوط الحر”
وضع التقرير الأممي المشترك مع معهد الدراسات الأمنية بجنوب أفريقيا السودان أمام ثلاث مرايا للمستقبل؛ أحلاها مرّ.
السيناريو الأول (المسار المعدل) يفترض نهاية الحرب بحلول 2026، لكنه يتنبأ بتعافٍ “كسيح” ونمو لا يتجاوز 1.2%، مما يعني بقاء نصيب الفرد من الدخل عند مستويات أوائل التسعينيات.
أما السيناريو الكارثي (الاستمرار حتى 2030)، فهو ينذر بضياع 34.5 مليار دولار إضافية من الناتج المحلي، وارتفاع الفقر المدقع ليتجاوز 60%، ما يحول السودان إلى بؤرة حرمان عالمية.
وفي المقابل، يبرز سيناريو “السودان الصاعد” كبوابة وحيدة للنجاة، مشروطاً بسلام شامل وإصلاحات جذرية في 8 مجالات حيوية تقفز بالنمو إلى 5% وتنتشل 17 مليون إنسان من قاع الفقر.
الزراعة في مهب “عاصفة النزوح”
في بلد يعتمد 65% من سكانه على الأرض، تسببت الحرب في كسر “محراث” التنمية؛ حيث تراجع إنتاج المحاصيل الأساسية بنسبة مخيفة بلغت 46% نتيجة تدمير البنية التحتية في الجزيرة ودارفور وكردفان.
ويحذر الخبراء من “فجوة غذائية” مرعبة، حيث يُتوقع أن يتجاوز الطلب المحلي الإنتاج بنحو 24 مليون طن متري بحلول 2043 إذا استمر النزيف الحالي.
هذا الخلل لا يعني الجوع فقط، بل يعني ارتماء السودان في أحضان “التبعية الغذائية” للخارج، مع توقع وصول واردات المحاصيل إلى ما يقرب من نصف احتياجات البلاد، مما يحول “سلة غذاء العالم” المفترضة إلى مستهلك يستجدي لقمة عيشه.
فاتورة الـ 700 مليار دولار لإعادة الإعمار
تجاوزت الخسائر الاقتصادية حدود الدخل القومي لتضرب “العظم” الصناعي والبنيوي؛ فالعاصمة الخرطوم والجزيرة شهدتا تدميراً شبه كلي لـ 90% من المنشآت الصناعية.
وتبرز أرقام إعادة الإعمار كعائق تعجيزي، حيث تتراوح التقديرات بين 300 و700 مليار دولار لترميم الطرق والجسور ومرافق الطاقة التي نال منها الخراب، بما في ذلك مصفاة “الجيلي” التي بلغت خسائرها وحدها 3 مليارات دولار.
هذا الاستنزاف جعل الدين العام يقفز إلى 148% من الناتج المحلي بنهاية 2024، ما يغلق أبواب التمويل الدولي ويضع الدولة في حالة “شلل مالي” تام.
52 مليون حكاية حرمان
بعيداً عن جفاف الأرقام، تبرز المأساة الإنسانية كأكبر وصمة عار في جبين الصراع والمتآمرين على السودان الشقيق، حيث يعيش 45% من السودانيين حالياً تحت خط الفقر المدقع.
وإذا استمرت آلة الحرب حتى 2030، فإن دائرة الحرمان ستتسع لتشمل 52 مليون شخص، مع نزوح 15 مليوناً يفتقر معظمهم للمياه الصالحة والرعاية الصحية.
فالنظام الصحي انهار بنسبة 80% في مناطق النزاع، والتعليم بات “رفاهية مفقودة” لـ 19 مليون طفل خارج المدارس، مما ينذر بظهور “جيل ضائع” يفتقر للمعرفة والصحة والعمل، وهو ما يراه الخبراء “القنبلة الموقوتة” الحقيقية التي ستنفجر في وجه استقرار المنطقة بأكملها.






