لعلك اندهشت من حالة الاحتفاء بأحد الملاحدة الذي قبضه الموتُ مؤخرًا بعد مائة عام مع الإلحاد والدفاع عنه والتمكين له، وبدا لك أن هناك خلايا إلحادية نائمة متجذرة في المشهدين الثقافي والإعلامي المحلي، بعضُهم يتخذ الإلحاد شِرعة ومنهاجًا، وبعضُهم يتخذه “سبوبة” للاسترزاق و”تقليب عيشهم وملذاتهم الرخيصة”، مثل أحدهم الذي لا يزال يردد في كل وادٍ كما الببغاء: “الإلحاد علاقة بين الإنسان وربه”!! وفي كلا الحالتين ينطبق على هؤلاء وأولئك قولُ الله تعالى: “ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ”.
الملاحدة المصريون هم -في الأصل- عبيد أنجاس مناكيد، طبع اللهُ على قلوبهم، واتبعوا أهواءهم. وفاة “ذي الحواجب” جاءت كاشفة وفاضحة لعقولٍ وضمائرَ استوطنها القبحُ والضلالُ، حتى أن أصحابها تطاولوا على كل من لم ينتظم ضمن قطيعهم الإلحادي، ولم يستنزل الرحمات مثلهم على فقيدهم.. منطق شيطاني خبيث!!
وفيما تتهاوى أصنام الإلحاد في الغرب، لا يزال بعض الأرازل والأزلام في الشراق يدافعون عن منطق الإلحاد، وكأنه الأصل في الأشياء، وكأن الدين عند الله الإلحاد، في تحدٍ سافر وسافل لكل شيء!
ولأنَّ الشيء بالشيء يُذكر.. دعنى أسرد عليك قصة أشهر ملاحدة العالم “أنتوني فلو” الذي قضى جُلَّ عُمره في إنكار وجود الإله والترويج للإلحاد من خلال باقة من الكتب التي كان يحتجُّ بها ملاحدة العرب والمسلمين، ويعتبرونها دستورًا وقانونًا ونبراسًا ودليلاً على رفض الإله والأديان والكتب المُقدسة، ولكن لم يشأ الرجل أن يغادر الدنيا، رغم أنه لم يدرك المائة، قبل أن يسجل شهادته: “الآن.. أعتقد أنَّ هناك إلهًا” في كتاب مهم أصاب صِبيان وخِصيان وعوالم وغوازي الإلحاد حول العالم وفي مصر بالصدمة البالغة.
الفيلسوف البريطاني أنتوني جيرارد نيوتن فلو، المعروف اختصارًا بـ “أنتوني فلو”، الذي عاش بين عامي 1923 -2010، حرص على تسجيل شهادته الأخيرة بخروجه من الإلحاد إلى الإيمان، قبل 6 سنوات من رحيله، عبر سِفر عظيم يحمل عنوان: “هناك إله”، رصد فيه حيثياتِ تحوُّله من إنكار وجود الإله إلى الإيمان بأنه يستحيل ألا يكون لهذا الكون ربٌ حكيمٌ قديرٌ يُدبر أمره.
الطريف أن أولئك الذين كانوا يحتذون بإلحاد “أنتوني فلو”، ويؤمنون بكل كتاباته، ويعتبرونه صنمهم الأكبر، اتهموه يوم صدور كتاب “هناك إله”، وانقلابه على إلحاده، بالتخريف والتجديف، وزعموا إصابته بـ”ألزهايمر”، بعدما ظلوا مؤمنين بكتبه الثلاثين التي تنكر جميعها الألوهية، غير أن العاقبة تبقى دائمًا وأبدًا بالخواتيم!
لا شكَّ أنَّ تجربة “أنتونى فلو”، التي دامت أكثر من نصف قرن في الإلحاد، وتأليفه عديد الكتب التي تؤيد الفكر الإلحادي، وخوضه العديد من المناظرات التي تدافع عن الإلحاد وتقدسه، ثم تحوُّله بعد كل هذه السنين إلى الإيمان بوجود الإله، لابد أن تُضفي مصداقیة كبیرة على ما سيقوله في كتابه الأخير والأهم، وتكمن أهميته في هدم كل ما أورده في كتبه السابقة من براهينَ فاسدةٍ وأدلةٍ مُتهافتةٍ، أغوت صغار العقول وضعاف النفوس الذين لم يملكوا جرأة مراجعة موقفهم كما فعل كبيرُهم الذي علمهم الإلحاد!
يقول “أنتوني فلو”: “خلال أكثر من خمسين سنة لم أنكر وجود إله فحسب، بل أنكرتُ أيضًا وجود حياة بعد الموت، ومحاضراتي التي سجَّلها كتاب “منطق الفناء” والتي تمثل خلاصة رحلتي مع الفلسفة التحليلية هذه شاهدة على ذلك”.
كتب “أنتونى فلو”: ” قلتُ في بعض كتاباتي الإلحادية المتأخرة: إنني وصلتُ إلى نتيجة بشأن عدم وجود إله بصورة متعجلة جدًا، وبشكل مُبسط جدًا، ولكن تبين لى فيما بعد أنها كانت أسبابًا خاطئة جدًا، لقد كررتُ استخدام هذه النتيجة الخاطئة بشكل متكرر ومُفصل في مناقشاتي وكتاباتي”. ولا شك في أن المقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج فاسدة وخاطئة.
ظل “أنتوني فلو” يردد طوال خمسة عقود متصلة: “على المرء أن يظل ملحدًا حتى يجد الدليل التجريبي على وجود الإله”، وظل الرجل مُخلصًا لإلحاده حتى العام 2004، وخلال مناظرة فلسفیة أعلن “فلو” عن تحوُّله إلى التوحيد وتخلیه تمامًا عن الإلحاد، ولم يكتفِ بذلك، بل وضع كتابًا مهمًا ومؤثرًا وكاشفًا وهو: “هناك إله”، أظهر في صفحاته إيمانه التام والكامل بأن لهذا الكون (ربًا قديرًا).
ينقسم كتاب: “هناك إله” إلى قسمين بعشرة فصول مع مُلحق، حيث يتحدث “أنتوني فلو” في القسم الأول، وعبر 3 فصول، عن فترة إنكاره للإله، كاشفًا عن أنه ألحد في عُمر 14 عامًا؛ بسبب وجود الشر في العالم، وبعدما شبَّ عن الطوق، والتحق بجامعة أكسفورد، وتخصص في دراسة الفلسفة، انضم إلى “نادي سقراط” الذي كان يعتمد على قاعدة أرسطو الفلسفية: “اتبع الدليلَ حيثما قادَك”، وأعدَّ بحثًا في العام 1950، وضع من خلاله ردودًا مُمنهجة على ما أسماه “الادعاءات الدينية”، وتم الاحتفاء الشديد بهذا البحث، حتى أنه وُصف يومئذ بأنه “أهم بحث فلسفي تم نشره في القرن الماضي”.
تحدث “أنتوني فلو” عن إعداده بحثًا آخر في العام 1976 بعنوان “افتراض الالحاد”، حاول من خلاله إثبات أن “الإلحاد هو الفطرة في الإنسان، وليس الإيمان بوجود إله”، وهو البحث الذي أثار تفاعلاً كبيرًا أسهم في الترسيخ لشهرة المؤلف عالميًا كزعيم للملحدين.
في القسم الثاني من الكتاب، تحدث “أنتوني فلو” عن رحلة اكتشافه للإله، من خلال قصة طريفة وبسيطة وغير مُعقدة قادته بسهولة غريبة إلى الانقلاب على جميع أفكاره ومعتقداته وكتبه الثلاثين التي أسست للفكر الإلحادي، ثم يُفصل القول في عدد من الأدلة والبراهين النافية لافتراضية الإلحاد وإسقاط هذه النظرية تمامًا، والتأكيد على حتمية وجود إله واحد لهذا الكون.
في فصل آخر.. وعلى النقيض من مُحدثي العهد بالإلحاد الذين يحتجون بالعلم الحديث على إنكارهم وجود إله، يتطرق “أنتوني فلو” إلى الاكتشافات العلمية المتطورة التي قادت عقله المتمرد إلى حتمية الإيمان بالله والتخلي عن إلحاد القديم، مثل الآلية المُعقدة للحامض النووي “دي إن إيه”.
“انتوني فلو” لم يكتفِ بذلك في هذا السياق، بل استشهد بعلماء كثيرين معروفين عبَّروا بإيمانهم بهذا الأمر مثل: العالم الفيزيائي الحاصل على جائزة نوبل شرودنجر، وماكس ويل، و أينشتاين تحديدًا، لافتًا في هذا السياق إلى أن كبار الملحدين مثل: “دوكنز” وغيره يريدون أن يُظهروا “أينشتاين” بمظهر الملحد، رغم أن الأخير نفى عن نفسه التهمة مرارًا وتكرارًا.
في الفصول الأخيرة من الكتاب.. يتحدث “أنتوني فلو” عن تعريف الإله ووجوده في حياته، مُنتهيًا إلى أن إله الكون يجب أن يكون خارج إطار الزمان والمكان، بل وخارج تصور المخلوقات التي تفكر بحدود فكرها الضيق الذي لا يسمح لها بأن تدرك ذات وكُنه الصفات الإلهية، وكأنه يعبر دون قصد عن قوله تعالى: “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”، وقوله تعالى: ” لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير”.
وهكذا وبعد أكثر من خمسين عامًا قضاها “أنتوني فلو” في الإلحاد والدفاع عنه والتنظير له، حتى أنه صُنِّف يومئذ بأنه من أشرس الملاحدة، وشكلت كتبُه الثلاثون ومقالاته المتدفقة حجر أساس فكري للملحدين الحاليين، عاد فيلسوف الأديان البريطاني الشهير ومدرس الفلسفة في جامعات أوروبا مجددًا بعد أن بلغ من العمر واحدًا وثمانين عامًا، ليعلن على رؤوس الأشهاد أنه يؤمن بوجود الإله بدافع من البراهين العلمية الرصينة، في حَدث يُعتبر من أقوى الصدمات التي أثرت على مفكري الإلحاد ومنظِّريه وشكَّل صفعة مُدوية على وجوههم وأقفيتهم وأدبارهم، لدرجة أن كاهن الإلحاد الأشهر “ريتشارد داوكينز” نعاه قائلاً: لقد كان أنتوني فلو ذات يوم، فيلسوفًا عظيمًا، ولكن الآن، وبعد أن آمن بوجود الإله، وأعلن أن قضية أولية العالم، قضية خاسرة أمام المعطيات العلمية الحديثة، وأن قوانين الطبيعة المتناهية في الدقة لابد لها من كاتب، وأن التطور الدارويني لم يكن ليصمد أمام أدلة الكيمياء الحيوية، والتي تثبت أن الخلية كانت تمثل صندوقا أسود لداروين لم يعلم عنه شيئًا يذكر، وأن آليات عمل DNA وتشفيره وترجمته تتطلب وجود مصمم ذكي، وأن الحل الديني لمعضلة الشر؛ هو الأكثر عقلانية ومنطقية.. بعد أن أعلن الفيلسوف العظيم، عن كل ذلك، من الطبيعي جدًا ألا يستمر داوكينز – فضلا عن بقية منظري الإلحاد الجديد في اعتباره كذلك”.. وتلك هي معضلة الملاحدة ومنكري الألوهية: فإمَّا أن تكون معنا، وإمَّا أن نكون ضدك، وصدق الله العظيم حيث يقول: “سُنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبينَ لهم أنه الحقُّ”.







