يا للهول!! لم يكد أولياء الأمور يتنفسون الصعداء بعد أن دفعوا -عن يد وهم صاغرون- مصاريف المدارس والسبلايز، وما أدراك ما السبلايز، حتى وجدوا أنفسهم (الذليلة) أمام تحدٍ آخر لم يكن في الحسبان. إنه اللانش بوكس. فتنة عظيمة كقطع الليل المظلم وبلاء مبين وبدعة لعينة، لا سامح الله من ابتدعها. (الفتنة نائمة) لعن الله من أيقظها وأوقد لها نارًا وأمدها بالحطب. وما أكثر حمالات الحطب في هذا الزمان!
الأزمة ليست في اللانش بوكس (مجردًا)؛ فهو ليس سوى حافظ لطعام يحمله التلميذ معه إلى المدرسة؛ حتى إن تفاوتت أسعاره؛ فالرخيص منه قد لا يزيد سعره على مائتي جنيه، أما الجيد منه فقد يكسر حاجز الألف جنيه ويزيد. قيمة الألف جنيه في زمن حكومة “مدبولي” تضاءلت جدًا، حتى صارت كالمائة جنيه أو أدنى كثيرًا. قبل أن يأتي “مدبولي” كانت المائة جنيه تكفى لملء خزان الوقود بالسيارة (من الحجم الكبير)، أما الآن فإن الألف جنيه تقف في خزي عاجزة تمامًا عن أن تفي بنفس الغرض. أما المليون جنيه في زمن “مدبولي” فإنها أقل من أن تشتري شقة متوسطة أو سيارة صينية، بعدما كانت قادرة قبل عشر سنوات (فقط) على شراء عشر شقق متوسطة أو عشر سيارات نيسان!
منذ أن تخلص معالي رئيس الوزراء من نظارته السميكة مستبدلاً إياها بتقنية الليزك لم يعد يرى واقع المصريين على حقيقته ولا يستشعر أوجاعهم، بل أصبح يعيش في عالم آخر أشبه بعوالم “والت ديزني”؛ علمًا بأن عمليات تصحيح الإبصار لا تتطلب (تخديرًا ولا بنجًا ولا تغييبًا)!!
لو يعلم “مدبولي” –مثلا- ميزانية لانش بوكس المدارس (فقط) لاستقال هو وزملاؤه من مناصبهم فورًا واتخذوا لأنفسهم وظائف ومهنًا تناسب قدراتهم التي تتباين بين الضعف وبين قلة الحيلة. هم ليسوا أعظم شأنًا من أساتذة الجامعات الذين اضطرتهم الظروف القاسية إلى العمل سائقين في “أوبر” و”إندرايفر”!
عودٌ على بدء..فإن فتنة اللانش بوكس التي انتشرت واستشرت وتعاظمت في السنوات الأخيرة بين تلاميذ المدارس تكشف عوارًا كبيرًا ضرب المجتمع المصري -الذي يعيش أكثر من نصف عدد سكانه تقريبًا تحت خط الفقر اللعين- في العمق. الإمام علي بن أبي طالب تمنى أن لو كان الفقر رجلاً؛ ليطيح بعنقه، ويطوي صفحته من الحياة. المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء. الفقر في زمن “مدبولي” غول غشيم لا يرحم ولا يميز خبيثًا من طيب. في تصريحاته الهوجاء..يسعى “مدبولي” إلى تحبيب الفقر للمصريين؛ باعتباره الطريق (الوحيد) إلى إصلاح اقتصادي يراه قريبًا ونراه بعيدًا، أو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاء لم يجده شيئًا، أو كظلمات في بحر لجي، يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. وزير الأوقاف المعزول عمل إحدى عشرة سنة متصلة في هذه المهمة دون جدوى؛ فطالما استخدم منبر الرسول الكريم في إقناع الفقراء بأن الفقر نعمة عظيمة سوف تقودهم إلى الجنة. ضعف الطالب والمطلوب، ما قدره الله حق قدره!
في الفضاء الإلكتروني..تستعرض الأمهات –لا سيما محدثات النعمة منهن- محتويات اللانش بوكس الذي يعدونه يوميًا لأبنائهم، حيث يضم بين جنباته ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
“لقد وقعنا في الفخ” –بصوت عادل إمام في فيلم “مرجان أحمد مرجان”- حيث كنا نظن أن تلاميذ المدارس لا يحتاجون أكثر من ساندوتشات خفيفة تسد جوعهم حتى يعودوا سالمين إلى بيوتهم، ولكن يبدو أن الأمر قد اختلف جذريًا وأصبح ما كنا نظنه (متحفيًا). اللانش بوكس لفظ ساندوتشات الجبنة واللانشون والحلاوة بالقشطة إلى غير رجعة، وتعرف -على حين غفلة منا- على أنماط أخرى من الطعام والشراب وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون.
صارت أمهات الفئة الناجية من الفقر يحشدن في اللانش بوكس نصف بطة أو نصف فرجة أو دبوس رومي فضلا عن أصابع الكفتة والسجق وقطع البشاميل الممزوج باللحم المفروم..هل اكتفينا؟ لا طبعًا، حيث قد يصل الأمر إلى قطع السمين أو ما يعرف بـ”حلويات اللحوم”. وعندما يضيق الصغير باللحوم والفراخ كل يوم فإنه قد يستبدلها بوجبة مفتخرة من الأسماك والسبيط والجمبري وشربة السي فود. تشعر أنها وجبة لعامل خرسانة أو زيارة لسجين أو بطل كمال أجسام!!
هذه الرفاهية التي قد يحظى بها نفر قليلون تثير حفيظة آخرين ممن لا يقدرون على شيء، والذين أعجزتهم فواتير الكهرباء والماء والغاز وتجديد باقات النت وتكاليف الحياة، فصاروا عاجزين أمام صغارهم عن الوفاء بالحد الأدنى من (كل شيء). وإن كان زهير بن أبي سلمى نظم يومًا: سئمت تكاليف الحياة/ ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم، فإنه لو عاصر زمن “مدبولي” لكتب: ومن يعش عشرين عامًا لا أبا لك يسأم!
فتنة اللانش بوك التي استشرت في المدارس وأظهرت تباينًا حادًا وعنيفًا بين أقلية متخمة وأكثرية لا تحلم بأكثر من الستر إفراز طبيعي لزمن حكومة “مدبولي” التي ضلت السبيل وكسر أنفها صندوق النقد الدولي ووظفها سلاحًا لإفقار قطاعات كبيرة من المصريين ظلت مستورة أحايين من الدهر، قبل أن تردها تلك الحكومة إلى الفقر المهين.
والسؤال: هل يحمل “مدبولي” لانش بوكس إلى مكتبه يوميًا، وماذا يحشد فيه من “خيرات الله” أم إنه مستمتع بـ”القتة المحلولة” التي يعوم فيها هو ورفاقه من السادة الوزراء، ما أضلهم وأعمى أبصارهم عن معاناتنا الممتدة؟!







