لم يعد ملف المفقودين في ليبيا منذ اندلاع أزمة عام 2011 مجرد أرقام صامتة في سجلات المنظمات الإنسانية، بل تحول بفضل التحركات الأخيرة إلى ورقة سياسية ضاغطة واختبار حقيقي لشرعية أي سلطة مستقبلية تسعى لحكم البلاد. هذا التحول النوعي في التعاطي مع الأزمة تجسد بوضوح عقب الاجتماع الاستراتيجي الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في العاصمة التونسية، والذي أفرز توافقا استثنائيا بين سبعة وعشرين ممثلا لمؤسسات الدولة والهيئات القانونية والمدنية على ضرورة صياغة قانون شامل يعالج هذا الجرح الوطني الغائر ويحمي حقوق ذوي الضحايا.
وبات من الواضح في الكواليس السياسية أن النسخة شبه النهائية للقانون الجديد، التي أعلن عنها برلمانيا، تضع السلطة القادمة أمام استحقاق لا مفر منه. فالقراءة التحليلية للمشهد الراهن تؤكد أن حقبة التسويات السياسية التي بنيت حصرا على المحاصصة وتقاسم النفوذ، والتي لطالما همشت قضايا الضحايا تحت ذريعة أولوية الاستقرار، قد استنفدت صلاحيتها. فالمجتمع الليبي اليوم بات يمتلك وعيا جمعيا يرفض أي سلطة تقفز فوق آلام آلاف العائلات، معتبرا أن أي تجاهل لهذا الملف سينتج شرعية منقوصة وهشة، مهما تسلحت بالاعتراف الدولي أو اصطفت خلفها قوى خارجية.
لقد تجاوزت قضية المفقودين أبعادها الحقوقية والقضائية البحتة لتصبح البوابة الإلزامية لأي مشروع سياسي يستهدف الاستقرار الفعلي. ففي مرحلة ما بعد النزاعات المسلحة، ترتبط شرعية الأنظمة ارتباطا جذريا بمدى جديتها في تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية. ومع تزايد الضغوط المحلية والدولية، وتوالي تقارير المنظمات الحقوقية حول الانتهاكات والمقابر الجماعية التي خلفتها سنوات الفوضى، لم يعد ممكنا إخفاء هذا الملف الشائك. إن معادلة القوة في ليبيا تتغير؛ فامتلاك السلاح أو السيطرة على العاصمة والمؤسسات السيادية لم يعد المعيار الأوحد للبقاء، بل أصبح كشف الحقيقة وتحقيق العدالة الركن الأساسي في صياغة العقد السياسي الجديد بين الدولة والمواطن.
وتتضاعف خطورة هذا المشهد السياسي الملغم في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة، وتنوع طبيعة المفقودين بين معارضين ونشطاء سياسيين وحقوقيين وصحفيين ابتلعتهم دوامة الإخفاء القسري، وبين ضحايا كوارث طبيعية كإعصار دانييل في درنة. وأمام هذا الواقع المعقد، يبدو جليا للمراقبين أن السلطة الانتقالية الحالية، والمكبلة بتوازنات القوى وسطوة التشكيلات المسلحة خاصة في المنطقة الغربية، تقف عاجزة عن فتح هذا الصندوق الأسود. غير أن هذا العجز المرحلي يزيد من عبء المسؤولية الملقاة على كاهل السلطة القادمة، ويجعل من حسم ملف المفقودين المطلب الأبرز للشارع الليبي، والشرط الذي لا غنى عنه لإعلان ولادة دولة القانون والمؤسسات.


